أعلنت السلطات الفرنسية، بموجب مرسوم رسمي نُشر في الجريدة الرسمية الفرنسية، عن منح الكاتب الفرنسي الجزائري بوعلام صنصال وسام جوقة الشرف، أرفع وسام وطني في فرنسا، وذلك ضمن الدفعة المدنية الأولى لسنة 2026. قرار لا يمكن عزله عن سياقه السياسي والدبلوماسي، ولا عن المسار الصدامي الذي ميّز علاقة صنصال بالنظام الجزائري خلال السنوات الأخيرة، والذي انتهى بسجنه قرابة عام قبل الإفراج عنه بعفو رئاسي.

ويأتي هذا التكريم في وقت لا تزال فيه قضية حرية التعبير في الجزائر تثير انتقادات واسعة داخل الأوساط الحقوقية والثقافية الدولية، حيث تحوّل اسم بوعلام صنصال، الكاتب المعروف بمواقفه الجريئة ونقده الحاد للسلطة، إلى رمز للمثقف الذي دفع ثمن آرائه سجنا وتضييقا. ومن ثم، فإن إدراجه في قائمة المكرّمين بوسام جوقة الشرف لا يبدو مجرد احتفاء أدبي، بل يحمل دلالات سياسية واضحة.

وسام جوقة الشرف، الذي أُنشئ سنة 1802 على يد نابليون بونابرت، يُمنح للشخصيات التي تعتبرها الدولة الفرنسية مجسدة لقيم الجدارة وخدمة المصلحة العامة. وقد شملت دفعة يناير 2026 ما مجموعه 616 شخصا من مجالات مختلفة، أغلبهم من غير المعروفين لدى الرأي العام، إلى جانب أسماء ثقافية وفنية بارزة. غير أن اسم بوعلام صنصال طغى على باقي المكرّمين، بالنظر إلى رمزيته السياسية أكثر من قيمته الأدبية وحدها.

الكاتب البالغ من العمر 81 عاما كان قد سُجن في الجزائر على خلفية مواقف وتصريحات اعتبرتها السلطات “مسيئة”، في واحدة من القضايا التي أعادت إلى الواجهة واقع التضييق على الأصوات النقدية. ورغم الإفراج عنه لاحقا بعد عفو من الرئيس عبد المجيد تبون، فإن خروجه من السجن لم يُنه الجدل، بل زاده حدة، خاصة مع تساؤلات حول دوافع العفو وحدوده السياسية.

في هذا السياق، يُقرأ التكريم الفرنسي لصنصال كرسالة مزدوجة. فمن جهة، هو اعتراف رسمي بمساره الفكري والأدبي، ومن جهة أخرى، هو موقف غير مباشر من الطريقة التي يُعامل بها المثقفون المستقلون في الجزائر. فباريس، التي لطالما حاولت الموازنة بين مصالحها الدبلوماسية ومواقفها المعلنة بشأن حقوق الإنسان، تجد في هذا النوع من القرارات الرمزية وسيلة للتعبير دون الدخول في مواجهة مباشرة.

ولا يمكن إغفال أن هذا التكريم يأتي في مرحلة تعرف فيها العلاقات الفرنسية الجزائرية توترا مزمنا، تغذيه ملفات الذاكرة، والهجرة، وحرية التعبير. ومن ثم، فإن منح وسام جوقة الشرف لكاتب كان إلى وقت قريب نزيلا في السجون الجزائرية، يُعد إحراجا سياسيا واضحا للنظام، ورسالة مفادها أن القمع لا يُمحى بالعفو، وأن صورة الجزائر في الخارج تُبنى أيضا على طريقة تعاملها مع مثقفيها.

تكريم بوعلام صنصال لا يغيّر فقط موقعه الرمزي، بل يعيد طرح سؤال أعمق: كيف تتعامل الأنظمة المغلقة مع الكلمة الحرة، ولماذا يتحول الكاتب في الجزائر من منتج للمعنى إلى متهم؟ وبينما تُقلّده فرنسا وسامها الأعلى، يبقى المشهد دليلا إضافيا على الفجوة العميقة بين خطاب السلطة الجزائرية حول “السيادة” وواقعها في ملف الحريات.

في النهاية، قد لا يكون وسام جوقة الشرف درعا يحمي صنصال من حملات التشويه، لكنه بلا شك يضع اسمه في سجل المثقفين الذين كُرّموا خارج أوطانهم لأن أوطانهم ضاقت بكلماتهم.

هيئة التحرير / LEMED24