في خطوة وُصفت رسميا بأنها إنسانية واجتماعية، أعلنت السلطات الجزائرية السماح بعودة مهاجريها غير النظاميين المقيمين بالخارج دون إخضاعهم لأي متابعات قضائية، شرط توقيع التزام بعدم تكرار الهجرة غير الشرعية. غير أن هذا القرار، الذي أُعلن عقب اجتماع لمجلس الوزراء برئاسة عبد المجيد تبون، يطرح تساؤلات أعمق حول خلفياته الحقيقية، وسياقه السياسي، وتوقيته المرتبط بشكل مباشر بتصاعد التوتر مع فرنسا.

الخطاب الرسمي الجزائري حاول تقديم القرار كـ”نداء أبوي” موجه إلى شباب في وضعية هشة، يعانون الفقر والتهميش ويُستغل بعضهم من شبكات إجرامية. كما شمل، وفق التصريحات، فئة من الشباب الذين تم “تضليلهم” أو “استغلالهم ضد بلدهم”، مع وعد بعدم ملاحقتهم قضائيا. لكن خلف هذا الخطاب الإنساني، يبرز تناقض صارخ مع القوانين الجزائرية نفسها، التي تجرّم الهجرة غير النظامية منذ سنة 2009، وتفرض عقوبات سجنية وغرامات على العائدين أو الذين يتم توقيفهم في عرض البحر.

هذا التناقض لا يمكن فصله عن السياق الدبلوماسي المتأزم بين الجزائر وباريس. ففرنسا، التي تحتضن أكبر جالية جزائرية في العالم، تعاني منذ سنوات من رفض الجزائر استعادة رعاياها الصادر بحقهم قرار مغادرة التراب الفرنسي. هذا الرفض حول ملف الهجرة إلى إحدى أكثر بؤر التوتر حساسية في العلاقات الثنائية، ودفع باريس إلى التلويح بإجراءات مضادة، من بينها مراجعة أو إلغاء اتفاق الهجرة لسنة 1968، الذي يمنح امتيازات خاصة للمهاجرين الجزائريين.

القرار الجزائري الأخير يبدو، في هذا السياق، محاولة للالتفاف على الأزمة لا لحلها. فهو لا يستجيب بشكل مباشر لطلبات الترحيل الفرنسية، بل يفتح باب “العودة الطوعية” المنظمة، بما يسمح للجزائر بتخفيف الضغط دون الاعتراف صراحة بمسؤوليتها أو التراجع عن مواقفها السابقة. إنها صيغة توفيقية تحاول من خلالها السلطة إنقاذ ماء الوجه، وتقديم تنازل محسوب لا يظهر بمظهر الرضوخ للضغوط الفرنسية.

ولا يمكن تجاهل أن الأزمة الحالية تعود في جذورها إلى الموقف الفرنسي الداعم لسيادة المغرب على الصحراء واعتبار الحكم الذاتي حلا وحيدا للنزاع، وهو ما فجّر رد فعل غاضبا من الجزائر، تُرجم بتجميد التعاون في عدة ملفات، وفي مقدمتها ملف الهجرة. غير أن الحسابات السياسية لا تلغي الواقع: استمرار القطيعة مكلف، والضغط الفرنسي بدأ يترجم إلى تهديدات ملموسة تمس مصالح الجالية الجزائرية ونفوذ الجزائر في أوروبا.

في المحصلة، لا يعكس هذا القرار تحولا جذريا في مقاربة النظام الجزائري لقضية الهجرة، بقدر ما يكشف عن ارتباك سياسي ومحاولة لإدارة أزمة خانقة بأدوات ظرفية. فبدل معالجة الأسباب العميقة التي تدفع آلاف الشباب إلى ركوب قوارب الموت، من بطالة وقمع وانسداد أفق، تكتفي السلطة بإجراءات تجميلية، توظف المعاناة الإنسانية كورقة تفاوضية في صراع دبلوماسي مفتوح مع باريس. إنها عودة بلا محاسبة، لكنها أيضا بلا حلول حقيقية.

هيئة التحرير / LEMED24