شهدت قضية طارق رمضان منعطفًا قضائيًا جديدًا، بعدما طلب المحامي العام إصدار مذكرة توقيف دولية بحق المفكر الإسلامي السويسري من أصل مصري، الذي يُحاكم أمام المحكمة الجنائية الإقليمية في باريس بتهم اغتصاب مفترضة لثلاث نساء بين عامي 2009 و2016. وينفي المتهم جميع الوقائع المنسوبة إليه.

افتتحت جلسة الاثنين 2 مارس في غيابه. ووفقًا لمحاميه، فإن طارق رمضان يتلقى العلاج في مستشفى بجنيف بسبب تفاقم إصابته بمرض التصلب المتعدد، الذي يعاني منه منذ نحو عشر سنوات. وقد تم تقديم شهادة طبية صادرة عن قسم الأعصاب تفيد بأن حالته الصحية لا تسمح له بالسفر. غير أن رئيسة المحكمة أبدت استغرابها من التأخر في إبلاغ المحكمة بهذا التطور، وتساءلت عن سبب عدم إشعارها مسبقًا.

وقال المحامي العام: «لا ينبغي أن نخدع أنفسنا»، معتبرًا أن المتهم «يبذل كل ما في وسعه لتفادي المحاكمة». في المقابل، طالبت هيئة الدفاع بتأجيل بسيط للجلسة لأسباب طبية.

شخصية فكرية في قلب زلزال قضائي

لطالما اعتُبر طارق رمضان أحد أبرز وجوه الإسلام الأوروبي. وهو حفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا، وقد بنى سمعته على خطاب يجمع بين الإصلاح الديني والانخراط المدني وانتقاد المجتمعات الغربية. شغل مناصب أستاذ زائر في عدة جامعات، وكان محاضرًا مطلوبًا، حيث رأى فيه البعض نموذجًا لإسلام حداثي، فيما اتهمه آخرون بازدواجية الخطاب.

لكن في خريف 2017، وفي خضم موجة حركة #MeToo، تقدمت عدة نساء بشكاوى ضده بتهم الاغتصاب. وسرعان ما انفجرت القضية في فرنسا واتخذت بعدًا دوليًا.

الشكاوى الأولى وبدء التحقيق 2017-2018

في أكتوبر 2017، تقدمت امرأتان تعرفان باسمين مستعارين هما «هندا عياري» و«كريستيل» بشكويين تتعلقان بوقائع تعود إلى عامي 2012 و2009 على التوالي. وتحدثت الاتهامات عن لقاءات في فنادق أعقبتها أفعال جنسية مفروضة بالعنف. وأقر طارق رمضان بوجود علاقات جنسية خارج إطار الزواج، لكنه أكد أنها كانت برضا الطرفين.

وفي فبراير 2018، وُجهت إليه تهمة الاغتصاب رسميًا في باريس ووُضع رهن الحبس الاحتياطي. وقد أثار سجنه ثم الإفراج عنه تحت الرقابة القضائية في نوفمبر 2018 لأسباب صحية نقاشًا واسعًا حول قرينة البراءة ومصداقية المشتكيات وتأثير التغطية الإعلامية.

تعدد الإجراءات واستراتيجية الدفاع

مع مرور السنوات، أصبحت القضية أكثر تعقيدًا. وتتمحور المحاكمة الجارية في باريس حول ثلاث مشتكيّات. كما فُتحت إجراءات أخرى في الخارج، لا سيما في سويسرا، حيث أفضت شكوى منفصلة إلى محاكمة في جنيف.

وخلال مرحلة التحقيق، تقدم طارق رمضان بعدة طعون. فقد شكك محاموه في تقارير الخبرة، وفي التكييف القانوني للوقائع، وطلبوا مؤخرًا تنحية رئيسة المحكمة الجنائية الإقليمية بدعوى انعدام الحياد، غير أن هذا الطلب رُفض.

وترى النيابة أن هذه المبادرات تدخل ضمن استراتيجية لتعطيل سير العدالة، بينما تعتبرها هيئة الدفاع ممارسة مشروعة لحقوق أساسية لمتهم يواجه مسارًا قضائيًا معقدًا وذي صدى إعلامي واسع.

المحاكمة السويسرية: حكم أولي أُلغي

في عام 2023، برأت المحكمة الجنحية في جنيف طارق رمضان في قضية منفصلة تتعلق بوقائع مزعومة تعود إلى عام 2008. واعتُبر هذا الحكم آنذاك انتكاسة للاتهامات. غير أن المسارات القضائية في فرنسا، المرتبطة بوقائع ومشتكيات أخريات، ما تزال مستمرة بشكل مستقل.

الحالة الصحية في صلب الجدل القضائي

يلعب مرض التصلب المتعدد الذي يعاني منه المتهم دورًا محوريًا في الجدل الإجرائي. ففي عام 2018، استند محاموه إلى وضعه الصحي للحصول على إفراج مشروط بدعوى عدم ملاءمة حالته للاحتجاز. واليوم، أعاد دخوله المستشفى في جنيف والادعاء بعدم قدرته على التنقل إشعال الجدل من جديد.

ويرى المحامي العام أن غيابه عن الجلسة يشكل عائقًا كبيرًا أمام السير الهادئ للمحاكمة، ما دفعه إلى طلب إصدار مذكرة توقيف دولية، وهي خطوة استثنائية تهدف إلى ضمان مثول المتهم إذا طال غيابه أو تبين أنه غير مبرر.

محاكمة ذات أبعاد رمزية

تتجاوز قضية طارق رمضان الإطار الفردي، إذ تعكس عدة توترات معاصرة، منها:

  • صوت ضحايا العنف الجنسي

  • مسألة الرضا

  • التأثير الإعلامي والسياسي للشخصيات العامة

  • التداخل بين القضاء الوطني والبعد الدولي لمتهم ذي حضور إعلامي واسع

ومن المتوقع أن تكون المرافعات طويلة ومعقدة. وسيكون على المحكمة أن تحدد ما إذا كانت العلاقات المذكورة تمت برضا أم تحت الإكراه. وفي غياب أدلة مادية مباشرة، كما هو الحال غالبًا في قضايا العنف الجنسي القديمة، سيعتمد التقدير بدرجة كبيرة على مصداقية الشهادات وتماسك الروايات.

قضية ما تزال مفتوحة

حتى الآن، لم يصدر أي حكم نهائي بالإدانة في فرنسا. ويظل طارق رمضان متمتعًا بقرينة البراءة بشأن التهم المنسوبة إليه. وستشكل قرارات المحكمة بشأن طلب مذكرة التوقيف الدولية المرحلة المقبلة في ملف لم يتوقف عن التطور منذ ثماني سنوات.

وبين الاستراتيجيات القضائية، والوضع الصحي المثار، وخطورة الاتهامات، تواصل قضية رمضان إثارة الانقسام في الرأي العام وطرح تساؤلات حول كيفية تعامل القضاء مع الشخصيات العامة.

ويبقى السؤال الجوهري الذي ينبغي أن تجيب عنه المحكمة في باريس: هل ثبتت الوقائع المنسوبة إليه بما لا يدع مجالًا لشك معقول؟ الإجابة باتت الآن بيد القضاء.