يتبنى المجلس الفرنسي منهجية الحسابات الفلكية المسبقة كخيار حداثي يهدف إلى ضبط المواعيد مسبقاً وتفادي الارتباك السنوي. في المقابل، يتمسك مسجد باريس الكبير بمنهج الرؤية البصرية وليلة الشك، معتبراً أن البعد الروحي لا يمكن اختزاله في معادلات علمية.
لكن خلف هذا التباين التقني تختبئ معركة أعمق حول “الشرعية التمثيلية” لمسلمي فرنسا، الذين يقدر عددهم بنحو ستة ملايين نسمة، ما يجعلهم أكبر جالية مسلمة في أوروبا.
ظلال الجزائر والرباط
تاريخياً، ظل مسجد باريس الكبير يمثل أحد أبرز رموز النفوذ الجزائري في فرنسا، سواء من حيث التمويل أو الإشراف الديني. وتخصص الجزائر دعماً مالياً سنوياً للمسجد، إضافة إلى إيفاد عشرات الأئمة، ما يمنحه ثقلاً تنظيمياً واضحاً.
في المقابل، كان المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية يميل في تركيبته إلى توازنات قريبة من الرباط، عبر اتحادات ومساجد ذات ارتباط بالمغرب. ومع تصاعد التوتر السياسي بين الجزائر والمغرب في السنوات الأخيرة، انعكس هذا الاحتقان على الساحة الدينية الفرنسية، ليصبح إعلان بداية رمضان أداة رمزية لإظهار النفوذ.
الدور الفرنسي ومعضلة “إسلام السفارات”
زاد المشهد تعقيداً بعد توجه الرئيس إيمانويل ماكرون نحو إنهاء ما يسمى بـ”إسلام السفارات” والسعي إلى بناء إسلام فرنسي أكثر استقلالاً عن العواصم المغاربية. هذا التحول أضعف موقع المجلس الفرنسي كشريك وحيد للدولة، وفتح المجال أمام ازدواجية مرجعية دينية، يتنافس فيها الفاعلون لإثبات الحضور والشرعية.
في ظل هذا التنازع، يجد المسلم الفرنسي نفسه أمام خيارين رسميين مختلفين لبداية عبادة يفترض أن توحد الصف. وهكذا تتحول فريضة دينية جامعة إلى ساحة شد حبال جيوسياسي، تعكس أزمة أعمق في مشروع تنظيم الإسلام بفرنسا.
الصائم بين السياسة والعبادة
في النهاية، لا يدفع ثمن هذا الانقسام سوى الجالية المسلمة ذاتها. فبدل أن يكون شهر رمضان مناسبة للوحدة الروحية، يتحول إلى مرآة لصراع نفوذ عابر للحدود، تتداخل فيه الحسابات الفلكية مع الحسابات السياسية. وبين الرؤية العلمية والرؤية البصرية، يبقى السؤال الأكبر: متى يتحقق فعلاً مشروع “إسلام فرنسا” المستقل، بعيداً عن تنافس العواصم، وقريباً من حاجات المسلمين اليومية في بلد أوروبي متعدد الثقافات؟



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..