الجزائر، آخر دولة تتخلى عن “جبهة الرفض”

بقلم: بيدرو كاناليس

مع امتداد الحرب في الشرق الأوسط إلى مناطق ودول جديدة، ومع تعمق القصف المتبادل بين الكتل المتقابلة، الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران وحركاتها الإقليمية الحليفة؛ وهؤلاء بدورهم ضد القواعد الأمريكية وأراضي إسرائيل والأنظمة العربية التي تعتبرها طهران أعداء، تظهر التحديات قصيرة المدى التي تهز الساحة الدولية وتفتح عواصف جديدة في الأفق.

لقد اندلعت بالفعل الحرب الاقتصادية وحرب السيطرة على الموارد.

تريد الولايات المتحدة الهيمنة على السوق العالمية للمحروقات والموارد الطاقية. هدفها هو امتلاك مفتاح الطاقة، حتى لا يصل منافسها وعدوها المعلن على المدى المتوسط والبعيد، الصين، إلى عتبة “الخطر الوشيك على المصالح الحيوية” لواشنطن.

يمتلك العملاق الآسيوي، مثل أوروبا، طاقة نووية كافية لضمان الحد الأدنى، لكن الغاز والنفط يظلان حتى الآن ضروريين لضمان تشغيل الصناعة والنمو الاقتصادي. بدون النفط والغاز، تتباطأ الصين. والثمن الذي يجب دفعه هو إخضاع السوق العالمية لانكماش شديد قد يصل إلى الانهيار، وهو وضع قد لا تنجو منه إلا بعض الدول المكتفية ذاتيا أو القريبة من الاكتفاء الذاتي.

الولايات المتحدة لا تحتاج إلى المحروقات الإيرانية لنفسها، لأنها ضمنت وارداتها من الغاز والنفط من جيرانها في القارة الأمريكية، كندا والمكسيك والبرازيل وترينيداد وتوباغو. لكن السيطرة على الموارد الطاقية الإيرانية ستسمح لها بخنق نظام رجال الدين الشيعة الذين يهيمنون على البلاد منذ نصف قرن، وتشديد الخناق على إمدادات المحروقات التي تتلقاها الصين.

تعلم طهران أن الاستراتيجيين المحيطين بدونالد ترامب يمتلكون ورقة حاسمة: ففي مواجهة إغلاق مضيق هرمز الذي قد ينفذه حرس الثورة الإيراني، يمكنهم اقتراح قصف عميق لمنشآت حقل “ساوث بارس”، أكبر حقل غاز في العالم، رغم أن ذلك سيضر بحليفهم قطر، التي تتقاسم مع إيران استغلاله وتحصل حاليا على الجزء الأكبر من عائداته بسبب العقوبات المفروضة على إيران.

ولا يبدو أن الباسدران الإيرانيين يقلقهم كثيرا التأثير الفوري لإغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس الموارد النفطية والغازية في العالم. وتؤكد طهران أنه سلاح ضد الولايات المتحدة وحلفائها، وتقلل من الآثار التي قد تطال صادراتها إلى الصين التي تتم كلها عبر البحر.

أما إسرائيل، فترى في “سلاحها الاقتصادي” وسيلة قاتلة ضد النظام الإيراني، ولا تبدي قلقا كبيرا بشأن آثار الأزمة على انهيار سوق الطاقة العالمية.

ومن بين الأهداف الاستراتيجية للحرب الإسرائيلية على غزة وجنوب لبنان، الاستيلاء على حقول المحروقات “غزة مارين” و”قانا”، وإضافتها إلى الحقول التي تملكها بالفعل “ليفياثان” و”تمار”، لضمان اكتفائها الذاتي من الطاقة.

تغيير في التوجه الاستراتيجي للنظام الجزائري

في هذا السياق، بدا التحول المفاجئ للجزائر تجاه الحرب في الشرق الأوسط ذا دلالة، مع ابتعادها عن حليفها التقليدي الإيراني، واقترابها من “الدول العربية الشقيقة في الخليج”، وصمتها حيال القصف الأمريكي والإسرائيلي لإيران.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن الجزائر تعتقد أنها ستتمكن من تحقيق مكاسب كبيرة من هذا الصراع، عبر عرض نفسها على السوقين الغربي والآسيوي كبديل لإيران فيما يتعلق بصادرات الغاز. لكن هذا أمر غير صحيح ومستحيل التنفيذ في الوقت الراهن.

فالجزائر تعمل حاليا بكامل طاقتها التصديرية، ولا تمتلك البنية التحتية اللازمة، من خطوط أنابيب ومصانع تسييل، لزيادة صادراتها بشكل ملحوظ.

كما أن إغلاق خط أنابيب الغاز المغاربي الأوروبي لأسباب سياسية سنة 2021، وتعطيل مشروع خط الغاز الجديد بين الجزائر وإيطاليا المعروف باسم “غالسي”، يعرقلان نمو الصادرات. ولا يبقى أمام الجزائر سوى اللجوء إلى الغاز الطبيعي المسال، لكن منشآتها في سكيكدة وأرزيو تعمل بأقصى طاقتها. أما الضجة الدعائية حول خط أنابيب الجزائر نيجيريا عبر النيجر، فلن يكون ممكنا إلا خلال العقد المقبل في أفضل الأحوال.

ومع ذلك، قامت الجزائر بتحول كبير في علاقاتها مع نظام آيات الله. فحتى اندلاع الثورة الإسلامية في إيران سنة 1979، كانت الجزائر تمنح اللجوء السياسي والدعم اللوجستي لكل من منظمة مجاهدي خلق الإيرانية، والحزب الشيوعي توده، وكذلك لحركات التحرر في اليمن وعمان، الحليفة لمجموعات المقاومة الإيرانية ضد الشاه رضا بهلوي.

وبعد انتصار الثورة الإسلامية وعودة آية الله الخميني إلى طهران، وقع احتجاز 66 شخصا في السفارة الأمريكية في طهران، بينهم 55 دبلوماسيا، واستمر ذلك 444 يوما. وقد لعبت الجزائر دور الوسيط في الأزمة وساهمت في إطلاق سراح الرهائن.

وقد سمح ذلك للنظام الجزائري، الذي كان يقوده آنذاك العقيد الشاذلي بن جديد الذي خلف هواري بومدين المتوفى سنة 1978، بتعزيز علاقاته مع النظام الديني الإيراني الذي كان يقدمه على أنه “معاد للإمبريالية ومدافع عن العالم الثالث”.

غير أنه عندما اندلعت في عامي 1982 و1983 حملة قمع قادها حرس الثورة ضد حركات المقاومة الإيرانية التي كانت قد حاربت الشاه، والتي كان جبهة التحرير الوطني قد دعمتها، اختارت الجزائر تعزيز علاقاتها مع طهران و”التضحية” بحلفائها السابقين.

أما التخلي الحالي عن السياسة المؤيدة لإيران من قبل نظام عبد المجيد تبون، فليس عودة إلى سياسة السبعينيات الداعمة للمقاومة الإيرانية، بل هو قبول ضمني بـ”الحل الأمريكي” المتمثل في استبدال النظام الديني، سواء بنظام علماني عسكري أو بشبه ديمقراطية تتصدرها شخصيات ليبرالية بارزة، بل وحتى ابن الشاه المقيم حاليا في الولايات المتحدة.

ورغم الانطباعات الأولى المضللة، لا يبدو أن الجزائر تلعب الأوراق الأكثر فائدة لمصالحها الوطنية أو للهالة من الشرعية التاريخية التي تحاول أن تتدثر بها.