بقلم: ذ. عبد الإله انقير
ليس من السهل على دولة تدّعي السيادة أن تواجه مرآة التحقيق الاستقصائي، خصوصًا حين تأتي هذه المرآة من داخل عاصمة شريكة تاريخيًا مثل باريس. الوثائقي الذي بثّته القناة الفرنسية الثانية في 22 يناير 2026 لم يكن مجرد عمل إعلامي عابر، بل رسالة سياسية وإعلامية واضحة: زمن الصمت قد انتهى.
التحقيق، المبني على وقائع موثّقة وشهادات أمنية وخبراء، أعاد طرح سؤال جوهري أمام الرأي العام الدولي: إلى أي حد يمكن التساهل مع أنشطة استخباراتية أجنبية فوق أراضي دول ذات سيادة؟ وأين تنتهي الدبلوماسية، وأين يبدأ الاختراق؟
ما كشفه الوثائقي من شبهات تجسس داخل مؤسسات فرنسية، ومحاولات اختطاف معارضين سياسيين في قلب أوروبا، واستعمال التمثيليات القنصلية كواجهات ضغط، لا يندرج ضمن خلافات سياسية عابرة، بل يدخل في نطاق ممارسات تُقوّض قواعد العلاقات الدولية الحديثة، المبنية على الاحترام المتبادل وعدم التدخل.
الأخطر من الوقائع نفسها، هو المنطق الذي يحكمها. فبدل معالجة الأزمات الداخلية عبر الإصلاح والانفتاح، يتم اللجوء إلى تصدير التوتر، وصناعة “أعداء خارجيين”، وتعبئة الرأي العام بخطاب قومي عدائي. هذه المقاربة، التي قد تنجح مرحليًا، تتحول على المدى المتوسط إلى عبء دبلوماسي وعزلة سياسية.
الوثائقي أضاء أيضًا على تحوّل هادئ لكن عميق في المزاج الأوروبي، خصوصًا الفرنسي. أرقام الرأي العام لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تراكم صورة ذهنية سلبية، تقابلها صورة أكثر استقرارًا وعقلانية لشركاء آخرين في المنطقة، وعلى رأسهم المغرب، الذي بات يُنظر إليه كفاعل إقليمي قابل للتنبؤ، لا كمصدر توتر دائم.
في خلفية هذا المشهد، تبرز قضية الصحراء المغربية كنقطة مفصلية. حسم بعض العواصم الكبرى مواقفها لم يكن قرارًا عاطفيًا، بل قراءة لموازين الاستقرار، والمصداقية، والالتزام بالقانون الدولي. وردود الفعل الغاضبة التي تلت ذلك لم تؤكد سوى عمق الأزمة في الخطاب الرسمي الجزائري.
هذا التحقيق لا يُدين دولة، ولا يمنح صك براءة لأخرى. لكنه يذكّر بحقيقة أساسية: في عالم مترابط، لم تعد الممارسات القديمة قابلة للإخفاء، ولم يعد الإعلام مجرد ناقل للأحداث، بل فاعل في مساءلة السلطة، أيا كان موقعها.
الرسالة إلى الرأي العام الدولي واضحة: الاستقرار لا يُبنى بالتجسس ولا بخطف المعارضين، بل بالشرعية، والشفافية، واحترام قواعد اللعبة الدولية. وكل نظام يختار غير ذلك، عليه أن يكون مستعدًا لدفع ثمن الصورة… قبل ثمن السياسة.
يتبع…
حين يتكلم التحقيق… وتسقط الأقنع



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..