بقلم الدكتورة بثينة حساني

في خضم المؤسسات الأكاديمية الكبرى، نادرًا ما نجد من ينجح في الجمع، بهذا القدر من الانسجام، بين الصرامة الفكرية والرؤية الاستراتيجية والعمق الإنساني. وتبرز جامعة محمد الأول، تحت القيادة المستنيرة للدكتور ياسين زرهلون، اليوم كنموذج متكامل لحكامة حديثة وطموحة ومتجذرة بعمق في القيم الوطنية.

منذ توليه رئاسة الجامعة، أرسى الدكتور زرهلون توجهًا واضحًا نحو التميز. وليس تميزًا شكليًا، بل مطلبًا بنيويًا متجذرًا في صميم السياسات البيداغوجية والعلمية للمؤسسة. وانطلاقًا من قناعته بأن المعرفة تشكل أساس كل سيادة مستدامة، جعل من تطوير البحث العلمي أولوية قصوى، محولًا الجامعة إلى مختبر حقيقي للأفكار والابتكار. غير أن ما يميز هذا الرجل في موقع المسؤولية الجامعية هو ارتباطه العميق بالوطن. فبدافع حب غير مشروط لبلده، يجسد الدكتور زرهلون، بصدق نادر، القيم الحقيقية للوطنية. وهذه القيم لا تبقى مجرد شعارات، بل تتجسد في عمله اليومي وتنتقل إلى الطلبة الذين يعتبرهم أساس مستقبل الأمة. وهكذا، فإن التكوين بجامعة محمد الأول لا يقتصر على نقل المعارف، بل يهدف إلى إعداد مواطنين واعين يحملون مشروعًا جماعيًا.

وعلى مستوى البنيات التحتية، تبدو التحولات واضحة. فقد شهدت الفضاءات الجامعية عملية تحديث واسعة شملت قاعات التكوين التي جرى تجديدها بالكامل، وتجهيزات معلوماتية حديثة، ومكتبات تم تطويرها وإعادة تصورها، ومساحات خضراء مهيأة بعناية، فضلًا عن إحداث أندية رياضية وهياكل مخصصة لرفاهية الطلبة وتفتحهم. وبعض هذه المنشآت بات اليوم ينافس دون شك معايير أرقى الجامعات الأوروبية، ما يعكس إرادة قوية لإدماج المؤسسة في دينامية دولية. كما نجح الدكتور زرهلون في ترسيخ ثقافة الحوار التي أصبحت من أبرز سمات أسلوبه في التسيير. فبابه المفتوح دائمًا يعكس قربه الحقيقي من مختلف مكونات الجامعة. حيث يجد الطلبة والأساتذة والموظفون الإداريون فيه مستمعًا جيدًا ومحاورًا متاحًا، يتم استقبالهم في كثير من الأحيان دون تعقيد إداري، في جو من الإنصات والاحترام المتبادل.

وقد مكنه هذا النهج الإنساني، إلى جانب صرامة في التدبير، من تجاوز التحديات والأزمات التي طبعت فترة ولايته بنجاح. فحين كان يمكن أن تتفاقم التوترات، استطاع تقديم حلول متزنة وفعالة ومستدامة. واليوم، تتميز جامعة محمد الأول باستقرارها وهدوئها ومسارها التصاعدي المستمر، وهو ما يعكس حكامة واعية وملتزمة.

وليس من المستغرب أن يعتبر العديد من المراقبين الدكتور ياسين زرهلون من بين أبرز رؤساء الجامعة الذين تعاقبوا على قيادتها. فقد شكلت فترة رئاسته مرحلة تحول عميق، ورفعت من مستوى المعايير، وعززت إشعاع المؤسسة على الصعيدين الوطني والدولي.

ومن خلال مساره، أثبت أن الجامعة يمكن أن تكون أكثر من مجرد فضاء للتعليم، بل مجالًا للتميز، وحاضنة للقيم، ورافعة للتنمية في خدمة الوطن. إنها تجربة مستدامة تعكس طموحًا صادقًا والتزامًا راسخًا.