يواصل النظام الجزائري استخدام تهمة الخيانة كسلاح سياسي جاهز في مواجهة كل صوت حر أو معارض، في ممارسة لم تعد تخفي جوهر السلطة القائم على القمع والتخويف بدل الشرعية الشعبية. فكل من ينتقد أو يفضح الفساد أو يطالب بالحرية، يوضع تلقائيا في خانة الخونة، في مشهد يعكس أزمة عميقة في بنية الحكم بالجزائر.
ويرى متابعون أن التخوين لم يعد استثناء، بل تحول إلى سياسة رسمية، حيث تُتهم النخب المعارضة والصحفيون والناشطون وحتى المواطنون البسطاء بالخيانة، في حين أن الخيانة الحقيقية، بحسب تعبيرهم، تكمن في اغتصاب إرادة الشعب، وسرقة ثرواته، واحتكار السلطة من قبل مجموعة من الجنرالات ومحيطهم دون أي تفويض شعبي أو انتخابات نزيهة.
ويطرح كثير من الجزائريين تساؤلات يومية حول واقعهم المعيشي المتدهور: شح المياه، تردي البنية التحتية، ارتفاع الأسعار، وانسداد آفاق العمل أمام الشباب، حتى لحملة الشهادات الجامعية. واقع يعكس، وفق مراقبين، نتائج مباشرة لسياسات نظام يطالب بالصمت والطاعة، ويكافئ الفشل بالتخوين.
في المقابل، يعتمد النظام على جوقة من الموالين والمرتزقة الإعلاميين على منصات التواصل الاجتماعي، يهاجمون المعارضين ويتهمونهم بالخيانة مقابل امتيازات هشة أو فتات من المال العام. ويؤكد معارضون أن هذه الفئة لا تدافع عن الوطن، بل عن مصالحها الضيقة، بينما تُستنزف خيرات البلاد وتُغلق أبواب الأمل أمام الأغلبية الساحقة من الجزائريين.
وتشير تقارير حقوقية وإعلامية إلى أن ما تعيشه الجزائر اليوم لم يعد مجرد تضييق أمني، بل انهيار سياسي شامل، تُدار فيه الدولة كغنيمة، ويُحكم فيها الشعب بالخوف. فقد امتلأت السجون بالمعتقلين السياسيين، وأُغلقت مساحات التعبير، وأصبح المنفى القسري عقوبة غير معلنة تطال الصحفيين والناشطين وحتى المواطنين العاديين.
ويصف معارضون هذا الوضع بأنه نظام قائم على الشك والرقابة، حيث يخشى المواطن من جاره وزميله، ويتجنب الحديث في المقاهي والإدارات والجامعات، بل وحتى عبر الهاتف، خوفا من الملاحقة. وفي ظل غياب قضاء مستقل، تُتخذ القرارات في الظل، وتُدار الملفات الحساسة بالأوامر الهاتفية، ما عمق فقدان الثقة بين الدولة والمجتمع.
كما يؤكد مراقبون أن اتهام ضحايا القمع بالخيانة يمثل قلبا فجا للحقائق، إذ لا يمكن، حسب تعبيرهم، سرقة وطن ثم اتهام أبنائه بالخيانة لأنهم رفضوا الصمت. فالمعتقلون السياسيون والمنفيون قسرا والأصوات الحرة، يشكلون في نظرهم الدليل الحي على إفلاس نظام عاجز عن تحمل أي كلمة مستقلة أو شرعية شعبية حقيقية.
ويضيف هؤلاء أن النظام، الذي يرفع شعارات الوطنية، حول حب الوطن إلى تجارة سياسية، بينما يدفع سياساته آلاف الجزائريين إلى الهجرة القسرية، لا كرها في الجزائر، بل هربا من واقع خانق صنعته سلطة تدعي حماية الوطن وهي تمارس عكس ذلك.
وفي ظل هذا المشهد، تتصاعد الأصوات التي تؤكد أن الجزائر لا تعاني من خيانة مواطنيها، بل من خيانة من صادروا الاستقلال، وحولوا الدولة إلى أداة قمع، واستثمروا ذاكرة حرب التحرير كغطاء لإخفاء فشلهم في بناء دولة حرة وعادلة بعد الاستقلال.
وتبقى معركة الكلمة الحرة في الجزائر، وفق متابعين، معركة وجود، في بلد لم يعد يعاقب الفعل السياسي فقط، بل بات يجرم الشجاعة نفسها، ويعتبرها تهديدا لنظام لا يعيش إلا على التخويف والتخوين.
هيئة التحرير / LEMED24
شاهد الفيديو:
كلمة الصحفي هشام عبود حول هذا الموضوع.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..