تشهد الولايات المتحدة موجة غير مسبوقة من الاحتجاجات الشعبية المناهضة للرئيس دونالد ترامب، في تطور يعكس حجم التوتر والانقسام العميق داخل المجتمع الأمريكي، خاصة مع تصاعد الانتقادات لسياساته الداخلية والخارجية التي يعتبرها معارضوه نزعة سلطوية تهدد أسس الديمقراطية.

ففي مشهد لافت، خرجت حشود ضخمة إلى الشوارع في مختلف الولايات الأمريكية، ضمن حملة “لا ملوك”، التي باتت تشكل أحد أبرز مظاهر المعارضة الشعبية منذ عودة ترامب إلى البيت الأبيض مطلع عام 2025. هذه الحركة، التي تتوسع بسرعة، نجحت في تنظيم آلاف الفعاليات المتزامنة في جميع أنحاء البلاد، حيث تجاوز عددها 3200 احتجاج، في محاولة لتسجيل أكبر تعبئة جماهيرية في يوم واحد بتاريخ الولايات المتحدة.

اللافت في هذه التحركات ليس فقط حجم المشاركة، بل اتساع رقعتها الجغرافية، إذ لم تعد مقتصرة على المدن الكبرى المعروفة بتوجهاتها الديمقراطية، بل امتدت بقوة إلى الضواحي والمناطق الريفية، وهو ما يعكس تحولا مهما في طبيعة المعارضة. وتشير المعطيات إلى أن نحو ثلثي المشاركين قدموا من خارج المراكز الحضرية، في مؤشر واضح على تزايد حالة السخط الشعبي في مختلف الأوساط.

في العاصمة واشنطن، احتشد مئات المتظاهرين قرب نصب لينكولن وصولا إلى الساحة الوطنية، وهم يرددون شعارات رافضة لما وصفوه بـ”حكم الفرد”، رافعين لافتات تدعو إلى حماية الديمقراطية وإنهاء ما يعتبرونه انحرافا خطيرا في إدارة الدولة. وفي مشهد رمزي، حمل بعض المحتجين الأعلام الأمريكية مقلوبة، في إشارة تقليدية إلى الخطر والاستغاثة.

أما في ولاية مينيسوتا، التي تحولت إلى بؤرة توتر بسبب سياسات الهجرة الصارمة التي ينتهجها ترامب، فقد شهدت التجمعات حضورا كثيفا، حيث اصطف آلاف المتظاهرين في الشوارع وساحات المدن، معبرين عن رفضهم لما وصفوه بحملات القمع التي تستهدف المهاجرين. وزاد من رمزية الحدث مشاركة شخصيات فنية بارزة، على غرار المغني بروس سبرينغستين، الذي وجه رسائل سياسية واضحة خلال ظهوره، مؤكدا أن ما يحدث يمثل “كابوسا رجعيا” يجب مواجهته.

الاحتجاجات لم تقتصر على البعد الداخلي فقط، بل ترافقت أيضا مع انتقادات حادة للسياسات الخارجية، خاصة ما يتعلق بالتدخلات العسكرية والتصعيد في مناطق التوتر، وهو ما دفع بعض المشاركين إلى الربط بين الأوضاع الداخلية والخارجية، معتبرين أن الإدارة الحالية تدفع البلاد نحو مزيد من الأزمات.

في مدن كبرى مثل نيويورك ولوس أنجلوس وسان دييغو، شارك عشرات الآلاف في مسيرات ضخمة، حيث رفع المحتجون شعارات تتهم الإدارة بمحاولة “ترهيب المواطنين” ومنعهم من التعبير عن آرائهم. كما عبرت شخصيات حقوقية عن قلقها من استخدام مؤسسات الدولة، وعلى رأسها وزارة العدل، في تصفية الحسابات السياسية مع المعارضين.

هذه التحركات تأتي في سياق سياسي حساس، إذ يستعد ترامب لخوض انتخابات منتصف الولاية، وسط تراجع ملحوظ في شعبيته، ما يزيد من حدة المواجهة بينه وبين خصومه. ويخشى مراقبون من أن يؤدي هذا الاستقطاب الحاد إلى مزيد من التوترات، خاصة في ظل تصاعد الخطاب السياسي المتشنج من مختلف الأطراف.

حركة “لا ملوك” التي تقود هذه الاحتجاجات، تسعى إلى ترسيخ نفسها كقوة ضغط مؤثرة في المشهد السياسي الأمريكي، مستندة إلى قاعدة شعبية متنامية وشعور متزايد بالقلق من مستقبل الديمقراطية في البلاد. ويؤكد منظموها أن هدفهم يتجاوز مجرد الاحتجاج، ليشمل الدفع نحو تغيير سياسي عميق يعيد التوازن للمؤسسات الأمريكية.

في ظل هذه التطورات، تبدو الولايات المتحدة أمام مرحلة مفصلية، حيث يتقاطع الغضب الشعبي مع رهانات سياسية كبرى، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقرار الداخلي في واحدة من أقوى دول العالم.