تدخل الاستثمارات الإماراتية في الجزائر مرحلة شديدة الحساسية مع تصاعد التوترات السياسية بين البلدين، ما يضع ما يقارب 10 مليارات دولار من المشاريع الاستراتيجية أمام مخاطر حقيقية قد تعيد رسم خريطة النفوذ الاقتصادي داخل البلاد. وفي وقت تسعى فيه السلطات الجزائرية إلى تقليص الحضور الإماراتي، تتزايد المخاوف من تداعيات اقتصادية ثقيلة قد تضرب قطاعات حيوية يصعب تعويضها في المدى القريب.

الاستثمارات الإماراتية لا تقتصر على مجالات ثانوية، بل تتمركز في قطاعات سيادية تشمل الموانئ والخدمات اللوجستية والصناعات الدفاعية والعقار والتبغ. هذه القطاعات تمثل شرايين أساسية في الاقتصاد الجزائري، ما يجعل أي قرار بسحب أو تعطيل تلك الاستثمارات خطوة معقدة ومكلفة، خاصة في ظل اعتماد الجزائر شبه الكلي على عائدات النفط والغاز لتغطية نفقاتها العمومية.

في قطاع الموانئ، تبرز مجموعة موانئ دبي العالمية كلاعب محوري بعد توليها إدارة وتطوير ميناء الجزائر العاصمة وميناء جن جن بجيجل. وتشير التقديرات إلى أن الشركة تسهم بنسبة تتراوح بين 60 و70 في المئة من حركة الحاويات والمداخيل اللوجستية المرتبطة بهذين المرفقين. هذا النفوذ أثار حفيظة دوائر القرار في الجزائر التي تتحدث عن ضرورة استعادة السيطرة على المنشآت الحيوية تحت شعار حماية الأمن الاقتصادي.

أما في الصناعات الدفاعية، فتبرز شراكات استراتيجية في مجال تصنيع المدرعات، من بينها مركبات “نمر” و”فوكس 2″ التي يتم إنتاجها عبر تعاون صناعي وتمويلي ضخم يشمل نقل تقنيات متقدمة. هذه المشاريع لا تمثل مجرد استثمارات مالية، بل ترتبط بتطوير القدرات التصنيعية للجيش الجزائري، ما يجعل أي انسحاب إماراتي بمثابة ضربة مباشرة للبنية الصناعية العسكرية المحلية.

قطاع التبغ بدوره يعيش على وقع توتر قانوني غير مسبوق، بعد توجيهات رسمية بوقف بعض العقود والتعاملات مع الشركات المشتركة وسط شبهات فساد وتلاعب. هذا التطور يعزز سيناريوهات التأميم أو إعادة هيكلة الملكية، ما قد يفتح الباب أمام نزاعات قانونية دولية مكلفة.

التوتر لم يتوقف عند هذه القطاعات، بل امتد إلى مشاريع عقارية وسياحية كبرى مثل مشروع دنيا بارك، إضافة إلى قيود على النقل الجوي واختلال في الميزان التجاري الذي يميل لصالح الإمارات. كل ذلك يعكس مرحلة إعادة تموضع اقتصادي قد تكون لها ارتدادات سياسية أوسع.

خبراء الاقتصاد يحذرون من أن أي تعطيل واسع للاستثمارات الإماراتية سيشكل ضربة قاسية لاقتصاد يعاني أصلا من عجز مالي وضغط متزايد على الميزانية العامة. وفي المقابل، تمتلك أبوظبي أوراق قوة مالية وقانونية، وقد تلجأ إلى التحكيم الدولي للمطالبة بتعويضات في حال الإخلال بالاتفاقيات.

المشهد الحالي يوحي ببداية مرحلة إعادة صياغة جذرية للعلاقات الاقتصادية بين الجزائر والإمارات خلال عام 2026، مع احتمالات مرتفعة لاهتزاز قطاعات استراتيجية لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة. وبين خطاب السيادة الاقتصادية وحسابات الواقع المالي، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة الجزائر على تحمل كلفة هذا التصعيد.