أصدرت محكمة الجنايات الاستئنافية بمدينة أم البواقي، يوم الأحد 1 فيفري 2026، حكمًا يقضي بتخفيض العقوبة السجنية في حق النقابي والمدافع عن حقوق الإنسان علي معمري من 15 سنة إلى 10 سنوات سجنًا نافذًا. ورغم أن القرار جاء مخففًا مقارنة بالحكم الابتدائي الصادر في 29 أكتوبر 2025، إلا أنه لا يبدد جوهر القضية ولا يغيّر من طبيعتها السياسية والحقوقية، التي تعكس مرة أخرى كيف تُسخَّر المنظومة القضائية لإسكات الأصوات النقابية والمعارضة.
علي معمري موظف حكومي وناشط بارز في الحراك الشعبي، ومؤسس ورئيس النقابة الوطنية المستقلة لموظفي قطاع الثقافة والفنون، المنضوية تحت لواء الكونفدرالية النقابية للقوى المنتجة. منذ إطلاقه حملة لتنظيم القطاع الثقافي سنة 2024، دخل في مواجهة مباشرة مع السلطات، وتعرّض لسلسلة من المضايقات والتهديدات التي مهدت لاعتقاله لاحقًا في ظروف تفتقر لأبسط معايير القانون.
في 19 مارس 2025، أوقفته عناصر شرطة بزي مدني من مكان عمله دون تقديم مذكرة توقيف. ولعدة أيام، رُفض إبلاغ عائلته ومحاميه بمكان وجوده، ما جعله في وضع يرقى إلى خطر الاختفاء القسري. لاحقًا، كشف معمري أنه تعرّض للضرب والتجريد من ملابسه أثناء الاستجواب، وأُجبر على الإدلاء باعترافات تحت الإكراه. ورغم محاولة والدته تقديم شكوى رسمية حول التعذيب، قوبلت برفض إداري صريح، واضطرت إلى إرسالها عبر البريد دون أي متابعة قضائية لاحقة.
في 27 مارس 2025، قُدّم معمري أمام وكيل الجمهورية ثم أُحيل إلى قاضي التحقيق، الذي أمر بإيداعه الحبس الاحتياطي دون إخطار محاميه. استند الملف إلى مواد من قانون العقوبات تتعلق بالجرائم الإرهابية، إضافة إلى نصوص خاصة بحماية المعلومات والوثائق الإدارية. هذا التكييف الفضفاض لمفهوم الإرهاب، والذي يخضع في الواقع لتوجيهات السلطة التنفيذية والأمنية، مكّن من تحويل نشاط نقابي سلمي إلى جريمة أمنية.
وخلال محاكمته، وُجهت إليه تهم من بينها تمجيد أعمال إرهابية ونشر معلومات مصنفة. واعتمدت المحكمة على مراسلاته مع نقابيين ونشطاء، داخل الجزائر وخارجها، وعلى منشوراته وتفاعلاته على مواقع التواصل الاجتماعي. هذه الأدلة، التي لا تتجاوز إطار التعبير السلمي والعمل النقابي، قُدّمت على أنها قرائن على ارتباطه بجهات مصنفة إرهابية، دون أي إثبات لأفعال إجرامية معترف بها دوليًا.
كما أضيفت تهمة كشف معلومات حساسة، على خلفية مشاركته وثيقة إدارية داخل محادثات خاصة مع أعضاء النقابة، تتعلق بقرار نقله إلى منصب بلا مهام فعلية، ودون شروط عمل ملائمة، وهو إجراء انتقامي مباشر عقب تعيينه مندوبًا نقابيًا في 17 جوان 2024.
تخفيض الحكم لا يمحو هذه الخروقات، ولا يغير من حقيقة أن القضية تُدار بمنطق سياسي لا قضائي. إن استمرار اعتقال علي معمري يؤكد أن السلطات لا تستهدف شخصًا بعينه، بل تسعى إلى ترهيب كل من يفكر في التنظيم المستقل أو الدفاع عن الحقوق. وبينما يُفترض أن يكون القضاء حصن العدالة، يتحول في مثل هذه القضايا إلى أداة قمع، تكشف عمق الأزمة الحقوقية التي تعيشها البلاد.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..