بعد عام من القطيعة والتوتر الحاد مع دول الساحل الثلاث، اختارت الجزائر أن تعود إلى نيامي عبر بوابة الدبلوماسية المالية، في خطوة تعكس مراجعة سياسية واضحة لمقاربتها السابقة التي راهنت على التصعيد والمواجهة الجماعية. إعلان إعادة السفير الجزائري إلى النيجر لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي لإعادة تطبيع العلاقات الثنائية، بل رسالة سياسية تحمل أبعادا إقليمية تتجاوز حدود العلاقة بين البلدين.

الأزمة التي فجّرت القطيعة تعود إلى حادثة إسقاط طائرة مسيّرة مالية قالت الجزائر إنها اخترقت مجالها الجوي، بينما أصرت باماكو على أنها كانت تحلق داخل حدودها. تلك الحادثة سرّعت الانفجار الدبلوماسي، حيث سحبت مالي والنيجر وبوركينا فاسو سفراءها من الجزائر، وردّت الجزائر بالمثل، لترسخ بذلك قطيعة سياسية مع ما أصبح يُعرف بتحالف دول الساحل، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو.

غير أن الأشهر الأخيرة كشفت تحولا لافتا في الحسابات الجزائرية. فبدل الاستمرار في سياسة العزلة المتبادلة، اختارت الجزائر مقاربة انتقائية تستهدف الحلقة الأضعف داخل التحالف، وهي النيجر. تقرير مجلة جون أفريك أشار إلى أن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون بعث إشارات انفتاح واضحة إلى نيامي، من خلال دعوة رسمية وجهها إلى الجنرال عبد الرحمن تياني لزيارة الجزائر، في خطوة تتجاوز المجاملات الدبلوماسية التقليدية.

التحول الأبرز في هذه المقاربة يتمثل في توظيف ما يمكن تسميته بدبلوماسية المحفظة. الجزائر، التي تدرك حجم الضائقة الاقتصادية التي تعاني منها النيجر، سارعت إلى إعادة تفعيل أوراقها الطاقوية. زيارة وزير الطاقة إلى نيامي وإعلان استئناف نشاط شركة سوناطراك في حقل كافرا النفطي لم يكن مجرد قرار اقتصادي، بل إشارة سياسية واضحة إلى استعداد الجزائر لربط المصالح الاقتصادية بالتقارب السياسي.

حقل كافرا، الذي تُقدّر احتياطاته بنحو 260 مليون برميل، يمثل رافعة أساسية لاقتصاد النيجر، خاصة مع توقعات بأن يشكل النفط نسبة كبيرة من العائدات الضريبية خلال السنوات المقبلة. كما يبقى مشروع مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء ورقة استراتيجية بيد الجزائر، تستخدمها ضمن حسابات النفوذ في الساحل وغرب إفريقيا.

غير أن هذا التحرك الجزائري جاء في سياق إقليمي متغير. ففي أبريل 2025، استقبل العاهل المغربي محمد السادس في الرباط وزراء خارجية مالي والنيجر وبوركينا فاسو، وطرح مبادرة تمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة، وهو طرح أعاد ترتيب موازين القوى في المنطقة وفتح أمام دول التحالف خيارات جديدة لتنويع شراكاتها بعيدا عن الارتهان لمحور واحد.

المفارقة أن الجزائر التي كانت تعترض سابقا على الانقلاب في النيجر وتدعو إلى العودة للمسار الدستوري، تجد نفسها اليوم مضطرة إلى التعامل البراغماتي مع السلطة العسكرية نفسها التي تحفظت عليها. هذا التحول يعكس تغليب منطق المصالح وحسابات النفوذ على الخطاب المبدئي الذي رُفع في مرحلة سابقة، ويؤكد أن السياسة الخارجية الجزائرية في الساحل باتت محكومة بهاجس استعادة موقع فقدته خلال الأشهر الماضية.

لكن الرهان على استمالة النيجر لا يخلو من مخاطر. مالي تنظر بعين الريبة إلى أي تقارب جزائري مع نيامي، خاصة مع استمرار استقبال الجزائر لشخصيات مالية معارضة. أما بوركينا فاسو فتبدو أقرب إلى الموقف المالي، ما يضع القيادة النيجرية أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على تماسك التحالف أو الانفتاح على عروض اقتصادية مغرية قد تُضعف الصوت الموحد للتكتل.

في المحصلة، تبدو عودة السفير الجزائري إلى نيامي أقرب إلى محاولة استرجاع نفوذ مفقود منها إلى مبادرة استراتيجية شاملة. فالساحل اليوم لم يعد كما كان قبل عام، والتحالف الثلاثي أعاد تعريف أولوياته وشراكاته. والسؤال المطروح هو ما إذا كانت دبلوماسية الشيكات قادرة فعلا على إحداث شرخ داخل تحالف تشكل أساسا في سياق صدام مع الفاعلين التقليديين في المنطقة.