فرض التصعيد العسكري الإيراني المباشر ضد عدد من الدول العربية، خصوصاً في الخليج والأردن، واقعاً جيوسياسياً جديداً في الشرق الأوسط، ودفع المنطقة إلى مرحلة توتر غير مسبوقة تهدد بالتحول إلى مواجهة إقليمية أوسع. فبعد سنوات من إدارة الصراعات عبر الأذرع والميليشيات، باتت الهجمات تستهدف بشكل مباشر المجال الجوي والمنشآت الحيوية والبنية التحتية الاقتصادية، وهو ما أعاد إلى الواجهة مسألة الأمن الجماعي العربي.

هذا التطور أعاد طرح سؤال قديم يتعلق بمدى فعالية معاهدة الدفاع العربي المشترك الموقعة عام 1950 تحت مظلة جامعة الدول العربية. فقد صُممت هذه المعاهدة أساساً لتشكيل إطار قانوني وعسكري يضمن تضامن الدول العربية في حال تعرض أي دولة منها لعدوان خارجي.

وتنص المادة الثانية من المعاهدة بوضوح على أن أي عدوان مسلح يقع على دولة عربية يعد عدواناً على جميع الدول الموقعة، ما يفرض على الأعضاء تقديم المساعدة اللازمة للدولة المعتدى عليها، بما في ذلك اتخاذ إجراءات عسكرية مشتركة إذا لزم الأمر. كما نصت الاتفاقية على إنشاء مجلس دفاع مشترك يضم وزراء الخارجية والدفاع، إضافة إلى لجنة عسكرية دائمة لتنسيق الخطط الدفاعية بين الجيوش العربية.

ورغم هذه النصوص الواضحة، فإن تطبيق المعاهدة ظل محدوداً طوال عقود. ويعود ذلك إلى عدة عوامل، أبرزها الخلافات السياسية بين الدول العربية واختلاف تعريف مصادر التهديد في المنطقة. ففي حين ترى بعض الدول الخليجية في إيران خطراً مباشراً على أمنها القومي، تتبنى دول أخرى مواقف أكثر حذراً أو تميل إلى سياسة الحياد.

ومن بين هذه الدول الجزائر، التي صادقت على المعاهدة بعد استقلالها لكنها تفضل في الأزمات الإقليمية اعتماد خطاب عدم التدخل. ويرى منتقدو هذا الموقف أن مثل هذه السياسات تسهم في تعطيل تفعيل الدفاع العربي المشترك في وقت تواجه فيه بعض الدول العربية تهديدات مباشرة.

كما أن آلية اتخاذ القرار داخل مجلس الدفاع المشترك تشكل عقبة إضافية، إذ يشترط صدور القرارات بأغلبية الثلثين حتى تصبح ملزمة للدول الأعضاء، ما يمنح الدول المتحفظة قدرة كبيرة على تعطيل أي تحرك عسكري جماعي.

ويظهر هذا الضعف بشكل واضح عند مقارنة منظومة الدفاع العربي المشترك بحلف شمال الأطلسي. فنجاح الناتو في ترسيخ الأمن الجماعي في أوروبا يعود إلى وضوح التزاماته الدفاعية ووجود قيادة عسكرية موحدة قادرة على تنفيذ القرارات بسرعة وفعالية، إضافة إلى توافق أعضائه حول تعريف التهديدات الاستراتيجية.

في المقابل، ظلت الاتفاقية العربية أسيرة الخلافات السياسية وغياب القيادة العسكرية الموحدة، وهو ما جعلها أقرب إلى إطار للتشاور السياسي منها إلى تحالف دفاعي فعلي.

ومع تصاعد التوترات الإقليمية والهجمات التي تطال بعض الدول العربية، يتجدد النقاش حول مستقبل هذه المعاهدة وإمكانية تفعيلها في ظل واقع إقليمي يتسم بتزايد الصراعات وتعدد التحالفات العسكرية.

ففي عالم تتزايد فيه التهديدات العابرة للحدود، لم يعد السؤال يقتصر على نصوص الاتفاقيات، بل يتعلق أساساً بمدى قدرة الدول العربية على تحويل مبدأ التضامن الدفاعي من شعار سياسي إلى منظومة أمن جماعي فعالة.