تقرير صحفي استقصائي
بقلم: ذ. عبد الإله أنقير

في عمق السودان المنكوب، حيث تحولت الحرب الأهلية إلى آلة قتل جماعي، تفضح الصور الفضائية مشهدا بالغ القسوة. مساحات شاسعة ملوثة بالدم، ومدن تُمحى من الخريطة منذ اندلاع المواجهات بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع في أبريل 2023. أكثر من 150 ألف قتيل سقطوا حتى الآن، فيما شُرّد نحو 13 مليون شخص داخل البلاد، واضطر أكثر من 4 ملايين إلى الفرار نحو تشاد وجنوب السودان. في المقابل، يواجه 26 مليون سوداني انعداما حادا في الأمن الغذائي، مع تسجيل مجاعة فعلية في مناطق مثل الجزيرة ودارفور. هذه الأرقام لا تعكس مجرد حجم الخسائر، بل توثق واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم المعاصر، حيث تتهاوى المستشفيات، وتتفكك المدن، وتفتك الأوبئة بالأطفال الذين يموتون إما جوعا أو تحت القصف.

جرائم بلا توقف: مذابح واغتصاب في العتمة

التحقيقات الميدانية، المستندة إلى تقارير الأمم المتحدة وشهادات ناجين، تكشف نمطا ثابتا من الجرائم الممنهجة. قصف للأحياء السكنية في الخرطوم وأم درمان، نهب منظم للمساعدات الإنسانية، واستخدام الاغتصاب كسلاح لإخضاع المجتمعات. في الفاشر، آخر المدن الكبرى الصامدة في دارفور، أجبرت الهجمات الأخيرة نحو 90 ألف شخص على النزوح، بينما يعيش سكان كادوغلي تحت حصار خانق يحرمهم من الماء والدواء. صور الأقمار الصناعية التي نشرتها منظمات حقوقية دولية توثق دمارا واسعا يشمل قرى أُحرقت بالكامل، وأراضي زراعية دمرت، وبنى تحتية للطاقة جرى استغلالها لتمويل آلة الحرب. في المقابل، تبدو الاستجابة الدولية عاجزة. خطة الأمم المتحدة للمساعدات لعام 2025، والمقدرة بـ4.2 مليار دولار، لم تحصل إلا على أقل من ربع التمويل المطلوب، ما دفع العاملين الإنسانيين إلى اتخاذ قرارات قاسية حول أولوية الإنقاذ وسط انهيار شبه كامل للنظام الصحي الذي يهدد غالبية سكان البلاد.

اقتصاد الحرب: الذهب والنفط وقود المجازر

يتجاوز الصراع في السودان كونه مواجهة عسكرية ليكشف عن حرب موارد مفتوحة. الذهب في دارفور والنفط في الجنوب يشكلان شريان التمويل الأساسي لاستمرار القتال، حيث تُباع هذه الثروات في أسواق غير مشروعة مقابل السلاح، بينما تُترك الزراعة والتجارة المحلية للانهيار. تحذر الأمم المتحدة من أن الحصار وتقطع سبل الاتصال يمنعان وصول المساعدات، ما يضاعف من حدة الجوع الذي يحصد أرواح آلاف الأطفال. في الخرطوم، وثق عاملون في اليونيسف أوضاع مستشفيات شبه خالية من الأدوية، يُعالج فيها الأطفال المصابون بسوء التغذية بإمدادات شحيحة لا تكفي لسد الحد الأدنى من الاحتياجات. هذه المأساة، التي وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأخطر في العصر الحديث، تتغذى أيضا على تدخلات خارجية وصفقات سلاح سرية تطيل أمد النزاع وتزيد من كلفته البشرية.

نداء السودان: صمت العالم شريك في الجريمة

بعد عامين من الدمار المتواصل، ما زال السودان غارقا في الظلام. ملايين يعيشون في مخيمات تفتقر لأبسط مقومات الحياة، والأوبئة تنتشر بسرعة مقلقة، والانتهاكات لا تتوقف. المدنيون وحدهم يدفعون الثمن، بينما تكتفي القوى الكبرى بالمراقبة من بعيد. هذا التحقيق يدق ناقوس الخطر ويدعو إلى تحرك دولي حقيقي يشمل فتح ممرات آمنة للمساعدات، وفرض عقوبات على الجهات الممولة للحرب، ودعم تحقيقات مستقلة في الجرائم المرتكبة. ما يحدث في السودان ليس حدثا عابرا، بل جرح مفتوح في ضمير العالم، وصمت المجتمع الدولي لا يعني سوى المزيد من الدم والخراب.

(اعتمادا على تقارير الأمم المتحدة، اليونيسف، وأطباء بلا حدود لعام 2025).