لم تكن فترة الهدوء سوى سراب. فبينما كان يُعتقد أنّ العلاقات بين الجزائر من جهة، وباريس ومدريد من جهة أخرى، تتجه نحو التطبيع، أعاد النظام الجزائري فجأة إطلاق موجة جديدة من التصعيد. حدثان اثنان أعادا التوتر إلى الواجهة: رفض القضاء الفرنسي الإفراج عن صف الضابط إسماعيل رجب، والزيارة ذات الرمزية العالية التي قام بها بيدرو سانشيز إلى الرباط.
بقلم هشام عبود
إنها طلقة إعلامية مزدوجة، محسوبة بدقة من قصر المرادية. يوم الاثنين 8 ديسمبر، نشر كل من صحيفة “الخبر” و”لو سوار دالجيري” في اللحظة نفسها الهجوم ذاته على صفحتيهما الأولى. العنوان نفسه، النبرة نفسها، والهدف نفسه: “القضاء الفرنسي: حين تغرق باريس في نفاقها الخاص”. تنسيق محكم إلى درجة يستحيل معها اعتباره مصادفة.
النص، الذي يبدو جليًا أنه كُتب خارج غرف التحرير، يتهم الإليزيه بتغذية “ردة فعل استعمارية صافية وقاسية” و”حنين مرضي لزمن مضى”. الرسالة واضحة: الجزائر ترفع التحدي.
لكن مقطعًا آخر يستوقف القارئ، وهو ذاك المتعلق بالصحفي الفرنسي كريستوف غليز، الذي صدر بحقه حكم في تزي وزو يوم 3 ديسمبر، في مرحلة الاستئناف، بالسجن سبع سنوات.
حين تسخر الصحافة المأجورة من القضاء الفرنسي
تكتب صحيفة “لو سوار دالجيري”: “فرنسا، في ثوب الملقِّن الأخلاقي، تنتقد قضاءً جزائريًا لم يسبق له يومًا أن أوقف دبلوماسيًا فرنسيًا في الشارع بناءً على إشارة من هاتف محمول”. وتضيف الصحيفة: “وهكذا تصبح فرنسا، التي تُلقَّب بوطن حقوق الإنسان، في وضع لا يليق إلا بإذلال دبلوماسي جزائري كما لو كان مجرمًا تافهًا، فقط لأن هاتفه قد التُقط في مكان ما. إن لم يكن ذلك مخزيًا فهو مثير للسخرية. إنه واقع، لكنه مهزلة”.
وتتابع الصحيفة، مدعية أن الحقيقة أكثر قتامة: “في فرنسا، القضاء ليس سوى أداة سياسية، وسيلة قمع، وواجهة أخلاقية لطبقة نخبوية لا تزال تعتقد أنها سيدة العالم”.
يصعب تصديق أن هذه الأسطر نُشرت في جريدة جزائرية، لمن يعرف، ولو من بعيد، مستوى “استقلالية” القضاء والصحافة في الجزائر. فكاتب هذا النص الملتهب كان الأولى به أن يدير قلمه في المحبرة لا سبع مرات بل سبعين مرة، قبل أن يتجرأ على إعطاء دروس. قليل من الحياء أو شيء من الوضوح كان كفيلًا بمنع هذا المقال من السقوط في التهريج. إذ محاولة تلقين القراء، وهم يعلمون تمامًا الوضع الحقيقي للقضاء والإعلام في الجزائر، لا تقرب من الجرأة بقدر ما تقترب من فقدان الذاكرة المتعمد.
وراء هذا الغلاف الجدلي يكمن ابتزاز فاضح
مقايضة صحفي بعميل سرّي: إسماعيل رجب، مساعد في جهاز الأمن العسكري الجزائري وموظف غير معلن في القنصلية الجزائرية في كريتيل، أوقف في أبريل على خلفية قضية اختطاف اليوتيوبر أمير ديزاد.
إن الربط المتكرر بين القضيتين ليس اعتباطيًا. فمن بين السطور يبرز مقترح مبطن: غليز مقابل رجب. لا شيء يُقال صراحة، لكن كل شيء يُلمّح إليه. رسالة موجّهة إلى باريس خارج القنوات الدبلوماسية المعتادة.
المصدر الآخر للتوتر: المحور العابر مدريد الرباط
على الضفة الأخرى من المتوسط، تجد الجزائر صعوبة في تقبّل ترسّخ الشراكة الاستراتيجية بين مدريد والرباط. فبعد فترة طويلة من التوتر مع معظم جيرانها، حاول النظام الجزائري إعادة وصل ما انقطع مع إسبانيا. وقد ذهب الرئيس تبون إلى حد القول إن مدريد “اعترفت بخطئها” بشأن الصحراء. لا أحد يعلم من أين جاء بهذه الخلاصة.
كانت زيارة رسمية قيد التحضير، وكان من المفترض أن تتناول، ضمن ملفات أخرى، القضية الحساسة المتعلقة بشبكة “التارطا”، وهي شبكة إجرامية مقرها إسبانيا، استُخدمَت من طرف الاستخبارات الجزائرية في عملية اختطاف صحفي جزائري في أكتوبر 2024.
لكن هذه الزيارة لن تتم. والضربة موجعة بالنسبة للجزائر. فمدريد متمسكة بموقفها. والجزائر تُبدي انزعاجًا. ففي الرابع من ديسمبر، وخلال الدورة الثالثة عشرة للاجتماع رفيع المستوى، أعادت الحكومة الإسبانية تأكيد دعمها، دون أي لبس، لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وفقًا للاتفاق الموقع في 7 أبريل 2022 مع الملك محمد السادس.
وباستحضارها للقرار 2797 الصادر عن مجلس الأمن في 31 أكتوبر، تثبت مدريد أن موقفها بات مترسخًا بوضوح في الإطار الأممي. لا تراجع ولا إعادة توازن ولا حتى مؤشر واحد على التردد.
بالنسبة للجزائر، يُعد ذلك انتكاسة دبلوماسية جديدة وسببًا إضافيًا للتوتر في سياق إقليمي مثقل أصلًا بالخلافات وسوء الفهم.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..