بقلم هشام عبود
أخيراً، وبعد صمت طويل، ردّت الجزائر على خطاب الملك محمد السادس الذي ألقاه في 31 أكتوبر الماضي، وهو خطاب ميّزه نداء واضح وصريح إلى الرئيس الجزائري لفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين الجارين. تاريخ طويل ومتشابك بين شعبين شقيقين، جمعتهما الدم والدين واللغة والثقافة، وفرّقتهما فقط سوء النية وضيق الأفق السياسي لدى من يحكم باسم الشرعية الثورية المتهالكة.
لكن الردّ الجزائري لم يأتِ لا عبر بلاغ رسمي ولا عبر قناة دبلوماسية، بل تسلّل من منبر إلكتروني تابع بالكامل للسلطة، تديره من وراء الستار أجهزة المخابرات التي تهيمن على المشهد الإعلامي الجزائري بكل وسائله. أما عنوان المقال فقد كان كافياً للكشف عن المضمون: «المغرب – الجزائر: يد ممدودة في الظاهر، وهجمات في الخفاء.» ويأتي التوضيح في مقدمة المقال ليؤكد النبرة العدائية: «وسائل إعلام مغربية قريبة من القصر الملكي تكشف، مرة أخرى، الوجه الحقيقي لملك المغرب محمد السادس.»
حين تحلّ الدعاية محلّ الدبلوماسية فما القضية؟ كل ما في الأمر أن بعض الحسابات على شبكات التواصل الاجتماعي تطرقت إلى فكرة مزعومة حول مراجعة ترسيم الحدود بين البلدين. حدودٌ تمّت المصادقة عليها من طرف برلماني البلدين رسمياً، ولم تعد قابلة للنقاش أو المراجعة. لم تتناول أي وسيلة إعلام مغربية رسمية، مكتوبة أو مرئية، هذا الموضوع. ومع ذلك، سارع الإعلام الجزائري إلى استغلال الحادثة وتضخيمها، لتشويه نوايا الملك المغربي والتشكيك في صدق مبادرته.
«إنّ “اليد الممدودة” للملك المغربي تجاه الجزائر تتبعها هجمات عنيفة ضد البلد نفسه من خلال أذرع القصر الملكي. هكذا دأب محمد السادس منذ سنوات، كلما تظاهر بالدعوة إلى إنهاء التوتر بين الجارين المغاربيين»، كتب الموقع الجزائري مضيفاً: «ليس لأنّ الملك لا يسيطر على إعلامه ودبلوماسيته، بل لأنّها الاستراتيجية التي اختارها المغرب: أن يمنح نفسه الدور الجميل في أعين المجتمع الدولي والرأي العام، وأن يحرص، عبر قنوات غير رسمية، على إبقاء التوتر قائماً مع الجزائر. هذه الاستراتيجية، التي لم تعد تنطلي على أحد، مستنسخة من تلك التي تطبقها في الشرق الأوسط إسرائيل، الحليف الجديد للمغرب.»
وهكذا، أُطلقت المدافع الثقيلة: تشبيه المغرب بإسرائيل، السلاح الدعائي الجاهز للاستخدام في كل أزمة. الهدف واحد: شيطنة الجار الغربي وإقناع الرأي العام الجزائري بأن الحوار معه مستحيل. ولم يكتفِ المقال بذلك، بل زاد جرعة الاتهامات قائلاً: «في الحقيقة، المملكة لا تريد لا السلام ولا حتى الحكم الذاتي للصحراء الغربية، كما بيّن ذلك تقرير إنّ طريقة المغرب مستنسخة من طريقة حليفه الإسرائيلي الذي يحاول بيع صورة دولة ديمقراطية تحترم حقوق الإنسان، بينما يرتكب إبادة في غزة ويعتدي عسكرياً على جيرانه واحداً تلو الآخر.»
ثم يُستدعى صوت آخر لتدعيم الطرح، هو صوت الناشط اليهودي المناهض للصهيونية يعقوب كوهين، الذي قال في مقابلة مع كولومبيا94: «يذكرني هذا بالأسلوب الصهيوني بعد قيام إسرائيل عام 1948، حيث كان المسؤولون الصهاينة يكررون أنهم مستعدون للقاء أي زعيم عربي دون شروط، في أي مكان وزمان (…) كانت تلك دعاية لتصوير أنفسهم كمن يمدّون اليد للعرب بينما هم يرفضون.» ويضيف: «مدّ اليد إلى الجزائر دون مقترحات ملموسة هو لتجميل الصورة فحسب.» ويختتم الموقع الجزائري مقاله بالقول: «لكن كما يقول المثل، لا يمكنك أن تخدع الجميع طوال الوقت…»
دبلوماسية الحقد والإنكار من الواضح أنّ السلطة في الجزائر ليست مستعدة بعد لدفن فأس الحرب، ولا لابتلاع الهزيمة المعنوية التي لحقت بها بعد خطاب 31 أكتوبر. ذلك الخطاب أربك نظاماً اعتاد على لعب دور الضحية وتوجيه أصابع الاتهام نحو الرباط. ومنذ ذلك اليوم، لم يتوقف وزير الخارجية الجزائري أحمد عطّاف عن محاولة تبرير موقف بلاده أمام العالم، في مشهد أثار سخرية كثير من الجزائريين، ومنهم الصحفي كريم زاغليش الذي كتب على صفحته في فيسبوك: «كأنك وزير الحكمة في جمهورية الثرثرة!» ثم تابع بلهجة ساخرة: «تمارس علينا فلسفتك العميقة في النقد والتحليل! أتعبتنا بدبلوماسيتك الفاشلة، تفسّر قرارات الأمم المتحدة من كل الزوايا وكأنك المفسّر الرسمي للكون.»
رفض المصالحة وتمجيد القطيعة وعندما تعجز السلطة عن تقديم حجة منطقية، تلجأ إلى اختلاق الأعداء وتبرير القطيعة. إنّها دبلوماسية الانغلاق والعجز، تُدار بعقلية قديمة لا تعرف سوى لغة الشك والتخوين. وفي الوقت الذي يمدّ فيه المغرب يده للمصالحة، تصرّ الجزائر الرسمية على دفن اليد في الرمال، مفضّلةً الشعارات الفارغة على الحقائق التاريخية. لكن التاريخ لا ينتظر أحداً. وسيسجّل يوماً أنّ من رفض الحوار باسم الكبرياء المزيّف، هو ذاته من فرّط في فرصة السلام والوحدة المغاربية.



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..