في وقت تعيد فيه دول الشرق الأوسط رسم تحالفاتها الأمنية والسياسية، تجد الجزائر نفسها في موقف معقد داخل الفضاء العربي. فبينما تتجه غالبية الدول العربية نحو بناء جبهة إقليمية لمواجهة التهديدات الإيرانية، يبدو أن الجزائر اختارت مسارا مختلفا يضعها في مواجهة غير مباشرة مع عدد من العواصم الخليجية.

الجزائر بين إيران والخليج.. سياسة تزيد العزلة

مع اشتداد التوتر في الشرق الأوسط، تجد الجزائر نفسها أمام اختبار صعب في علاقتها مع محيطها العربي، وخاصة دول الخليج. فبينما تتشكل تحالفات إقليمية جديدة لمواجهة التهديدات الأمنية، يبدو النظام الجزائري وكأنه اختار التموضع في منطقة رمادية تميل عمليا إلى الأجندة الإيرانية.

هذا الموقف أثار انتقادات حادة من سياسيين وكتاب خليجيين اعتبروا أن السياسة الجزائرية تمثل خروجا عن مقتضيات التضامن العربي في لحظة إقليمية حساسة.

من الحياد إلى الانحياز الضمني لإيران

التقارب بين الجزائر وإيران لطالما أثار ريبة العواصم الخليجية. غير أن التطورات الأخيرة في المنطقة أعادت طرح هذا الملف بقوة.

ففي الوقت الذي تعرضت فيه منشآت حيوية في الخليج لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فشلت الدبلوماسية الجزائرية في إصدار إدانات واضحة وصريحة تتناسب مع حجم التهديد الذي تواجهه دول مثل السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وسلطنة عمان.

بل إن بعض المراقبين الخليجيين أشاروا إلى أن الخطاب الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي في الجزائر لم يكتف بالصمت، بل اتسم أحيانا بنبرة شماتة مبطنة تجاه الهجمات التي استهدفت بعض الدول الخليجية، خاصة الإمارات.

هذا المناخ الإعلامي دفع الكاتب الكويتي أحمد الجار الله إلى التساؤل عن معنى الشعارات القومية التي ترفعها الجزائر، في الوقت الذي تتجنب فيه إدانة اعتداءات تهدد أمن الخليج.

ويرى محللون أن هذا التوجه ليس مجرد موقف ظرفي، بل امتداد لنهج دبلوماسي يعتبر التقارب مع إيران نوعا من “التوازن السياسي”، حتى لو جاء ذلك على حساب الأمن القومي العربي.

بين تصريحات تبون وواقع الدبلوماسية

الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أكد في عدة مناسبات أن أمن السعودية ودول الخليج هو جزء من أمن الجزائر. غير أن الممارسة الدبلوماسية على الأرض تعكس صورة مختلفة.

فعندما تعرضت منشآت حيوية في السعودية والإمارات ودول خليجية أخرى لهجمات، اكتفت الخارجية الجزائرية ببيانات عامة وفضفاضة تجنبت تسمية الجهة المسؤولة عن تلك الاعتداءات.

هذا التباين بين الخطاب السياسي والواقع الدبلوماسي جعل تصريحات تبون تبدو أقرب إلى خطاب سياسي للاستهلاك الإعلامي، أكثر منها التزاما سياسيا واضحا.

سجل تاريخي من المواقف الرمادية

المواقف الحالية للجزائر لا تبدو معزولة عن سياق تاريخي أوسع.

خلال الحرب العراقية الإيرانية، فضلت الجزائر لعب دور الوسيط بدلا من دعم العراق بشكل واضح في مواجهة التوسع الإيراني، وهو موقف اعتبرته بعض الدول العربية ميلا غير مباشر لصالح طهران.

كما تكرر الجدل خلال غزو الكويت عام 1990، عندما تبنت الجزائر موقفا وصفه كثير من الخليجيين آنذاك بأنه موقف رمادي لا يرقى إلى مستوى التضامن العربي المطلوب.

هذا التاريخ السياسي ساهم في ترسيخ صورة لدى بعض النخب الخليجية مفادها أن الجزائر تعتمد ما يسمى “دبلوماسية الانتقائية”، حيث ترتفع الشعارات بينما تبقى المواقف العملية محدودة في الأزمات الكبرى.

فلسطين بين الشعارات والواقع الداخلي

التناقض الأكثر إثارة للنقاش يظهر في الملف الفلسطيني.

فالرئيس الجزائري عبد المجيد تبون صرح سابقا بعبارته الشهيرة: “قضية فلسطين خلّيوها عليّ”، مؤكدا دعم الجزائر المطلق للفلسطينيين.

لكن الواقع لم يشهد خطوات عملية مؤثرة تعكس هذه التصريحات.

المفارقة ظهرت أيضا داخل الجزائر نفسها، حيث منعت السلطات خروج مظاهرات شعبية تضامنية مع غزة في بعض الفترات بدعوى الحفاظ على النظام العام.

هذا التباين بين الخطاب السياسي المرتفع والممارسة الداخلية أثار تساؤلات لدى متابعين في العالم العربي حول حدود الدور الجزائري الفعلي في دعم القضية الفلسطينية.

ملف الصحراء المغربية يعمق الخلاف مع الخليج

تظهر الفجوة بين الجزائر ودول الخليج بشكل واضح في قضية الصحراء المغربية.

فدول مجلس التعاون الخليجي أعلنت مرارا دعمها لوحدة المغرب الترابية ولمبادرة الحكم الذاتي. في المقابل، تواصل الجزائر الدفاع عن أطروحة الانفصال في هذا الملف.

هذا الموقف وضع الجزائر في مواجهة دبلوماسية مع معظم الدول الخليجية، وزاد من تعقيد علاقاتها السياسية مع العواصم العربية المؤثرة.

عزلة سياسية تتشكل تدريجيا

تراكم هذه المواقف، من التقارب مع إيران إلى الخلاف مع دول الخليج حول قضايا إقليمية، أدى إلى تراجع الثقة في الدور الجزائري داخل الفضاء العربي.

ويرى عدد من المراقبين أن المرحلة المقبلة قد تشهد إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، مع توجه دول الخليج والمغرب ومصر والأردن نحو تعزيز تعاونها الأمني والسياسي بشكل أعمق.

وفي مثل هذا السياق، قد تجد الجزائر نفسها خارج هذه الترتيبات الجديدة إذا استمرت في تبني مواقف تعتبرها تلك الدول غامضة أو متناقضة.

انعكاسات محتملة على الاقتصاد

الجانب الاقتصادي قد يكون أحد أبرز المتأثرين بهذه التوترات السياسية.

فالجزائر كانت تأمل في جذب استثمارات خليجية للمساهمة في تنويع اقتصادها المعتمد بشكل كبير على قطاع المحروقات.

لكن الاستثمارات الكبرى غالبا ما ترتبط بدرجة الثقة السياسية والاستقرار الاستراتيجي بين الدول.

وفي حال استمرار التوترات السياسية، قد تفضل رؤوس الأموال الخليجية التوجه إلى أسواق أخرى أكثر توافقا مع توجهاتها السياسية والأمنية.

مستقبل العلاقات بين الجزائر والخليج

العلاقات الجزائرية الخليجية تقف اليوم أمام مرحلة حساسة.

فاستمرار التباعد السياسي قد يؤدي إلى اتساع فجوة الثقة بين الطرفين، بينما يتطلب ترميم هذه العلاقة جهودا دبلوماسية كبيرة لإعادة بناء الثقة.

وفي عالم تتشكل فيه التحالفات الإقليمية بسرعة، قد يكون تحديد موقع الجزائر داخل المنظومة العربية أحد أبرز التحديات السياسية التي ستواجهها في السنوات القادمة.