منذ بداية الجمهورية الخامسة إلى اليوم، انزلقت السياسة الخارجية الفرنسية من كونها «مجالا محفوظا» إلى احتكار فعلي من طرف قصر الإليزيه. الدبلوماسي كزافييه دريانكور يحلل هذا التركيز في السلطات، الذي يضعف السلك الدبلوماسي والبرلمان، ويهز في الوقت نفسه نفوذ فرنسا على الساحة الدولية.

كزافييه دريانكور*

يجري الحديث بانتظام عن «المجال المحفوظ» لوصف صلاحيات رئيس الدولة في مجال العلاقات الخارجية، وهي صلاحيات تشمل اليوم الدبلوماسية والدفاع. دستوريا، المجال المحفوظ لا يعني المجال الحصري. فهو مجال يتحمل فيه رئيس الجمهورية مسؤوليات أساسية، لكنه يشترك فيها مع الحكومة. أما تعبير «المجال المحفوظ»، غير الوارد في نص الدستور، فقد صاغه جاك شابان ديلماس، الذي كان آنذاك رئيسا للجمعية الوطنية، خلال مؤتمر حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الجديدة في نوفمبر 1959.

وإذا كان دستور الجمهورية الخامسة يمنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة في مجالي الدبلوماسية والدفاع، فإنه لا يمنحه صلاحيات تفوق بكثير تلك التي كان يمارسها رؤساء الجمهورية الثالثة. وكان هذا الخيار خيار مؤسس الجمهورية الخامسة، شارل ديغول.

أي دور لرئيس الجمهورية؟

حسب الدستور، يعين رئيس الجمهورية السفراء الفرنسيين ويعتمد السفراء الأجانب (المادة 14)، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة ويرأس مجالس الدفاع (المادة 15)، كما تخوله المادة 16 سلطات استثنائية في حالات الأزمات. وتنص المادة 52 على أنه «يفاوض ويصادق على المعاهدات، ويُطلع على كل مفاوضات تهدف إلى إبرام اتفاق دولي غير خاضع للتصديق»، فيما تحدد المادة 53 طبيعة المعاهدات التي لا يمكن أن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد مصادقة برلمانية، مثل معاهدات السلام والتجارة، والمعاهدات أو الاتفاقات المتعلقة بالتنظيم الدولي، أو التي تلزم مالية الدولة، أو التي تتضمن تنازلا عن أراض أو ضما أو تبادلا إقليميا.

وإذا كانت المادة 20 تنص على أن الحكومة «تحدد وتدير سياسة الأمة»، فإن صلاحياتها في مجال السياسة الخارجية تبقى محدودة نسبيا. وحدهم بعض رؤساء الحكومات مثل ميشال دوبري، محرر الدستور والذي كان يميل عمليا إلى تصور برلماني له، وجورج بومبيدو بسبب طول مدة بقائه في المنصب، وألان جوبيه الذي كان وزيرا بارعا وكفؤا للشؤون الخارجية، إضافة إلى رؤساء حكومات فترات التعايش مثل جاك شيراك وإدوار بالادور وليونيل جوسبان، لعبوا فعليا دورا في السياسة الخارجية وتمكنوا أحيانا من تعديل توجهات رئيس الدولة. وفي حالات التعايش، يصبح المجال المحفوظ بالفعل «مجالا مشتركا»، سواء على مستوى التوجهات أو التعيينات.

إرث بعيد

في ما يخص القضايا الأوروبية، يتولى رئيس الحكومة، عبر الأمانة العامة للشؤون الأوروبية، تنسيق مواقف مختلف الوزارات. وهو الذي يوجه رسميا التعليمات إلى التمثيلية الدائمة لدى الاتحاد الأوروبي. لكن هنا أيضا، يحدد رئيس الدولة، كما فعل ديغول في زمنه، الخطوط العريضة، وتقوم الحكومة بالتنفيذ، باستثناء فترات التعايش. كما اعتمد الرؤساء في الممارسة على وزراء خارجية أو دفاع بقوا في مناصبهم لفترات طويلة، مثل موريس كوف دو مورفيل الذي قضى عشر سنوات في وزارة الخارجية، وبيار ميسمر الذي أمضى تسع سنوات في وزارة الدفاع.

وجود وزراء أوفياء وموثوقين أتاح لرئيس الدولة، من خلال العمل المباشر معهم، الالتفاف على رئيس الحكومة والحكومة نفسها. ولم يكن ذلك دون سوابق تاريخية. ففي مطلع القرن العشرين، شهدت وزارة الخارجية بقاء تيودولف ديلكاسي مدة استثنائية في منصبه تحت خمسة رؤساء حكومات متعاقبين، إلى درجة أن القيصر الألماني غيوم الثاني طالب بإبعاده بعد أزمة طنجة. وكان ذلك دليلا على أن «المجال المحفوظ» كان قائما بالفعل، إذ استطاع الرئيس إميل لوبه أن يقاطع رئيس حكومته خلال اجتماع مجلس الوزراء ليبلغه بأنه سيتولى معالجة هذه القضية مباشرة مع وزير الخارجية.

إلى جانب الاعتماد على وزير قوي، كان الجهاز التنفيذي يستند إلى سلك دبلوماسي محترم وإلى كبار الموظفين، ولا سيما الدبلوماسيين ذوي الخبرة، مثل غابرييل هانو، والأخوين جول وبول كامبون، وجول جوسران الذي بقي 24 عاما في واشنطن، وأندريه فرانسوا بونسيه، وأقربهم زمنيا جيوفروي دو كورسيل الذي قضى عشر سنوات في لندن، وإتيان بوران دي روزييه.

اليوم، الوضع معكوس. فتركيز السلطات في قصر الإليزيه بلغ حدا جعل مجال الشؤون الخارجية لم يعد «مجالا محفوظا» لرئيس الدولة، بل مجالا محتكرًا من طرفه. ويبدو أن رئيس الدولة، الذي يرى نفسه عالما بكل شيء، يفضل تعيين وزراء خارجية ضعفاء وعديمي الخبرة، يكتفون بنقل أفكاره وصياغتها انطلاقا من عناصر خطاب يعدها الإليزيه. وليس في ذلك إساءة إلى جان نويل بارو أو كاترين فوتران، القول إنهما ليسا متخصصين معترف بهم في السياسة الخارجية أو الدفاع، كما كان الحال مع موريس كوف دو مورفيل أو بيار ميسمر. وفي وزارة الدفاع، أصبحت أليس روفو، كاتبة الدولة المكلفة بالمحاربين القدامى، والبالأحرى المستشارة السابقة للرئيس، هي فعليا الوزيرة الحقيقية.

وصاية الإليزيه

بينما يوضع وزيرا الخارجية والدفاع تحت وصاية لصيقة من قصر الإليزيه، يجري تهميش البرلمان في القضايا الدبلوماسية والعسكرية. فمن لاحظ أن قرار 30 يوليو 2024، القاضي بتبني الطرح المغربي بخصوص الصحراء الغربية، تجسد في رسالة وجهها الرئيس إلى ملك المغرب بمناسبة عيد ميلاده، وتمت المصادقة عليها من طرف حكومة مستقيلة مكلفة فقط بـ«تصريف الأعمال»، مع ما ترتب عن ذلك من تداعيات معروفة في علاقتنا مع الجزائر؟

ومفهوم «تصريف الأعمال» محدد بدقة في اجتهادات مجلس الدولة، ولا يمكن أن يغطي تحولا دبلوماسيا من هذا الحجم. لاسيما أن هذه المبادرة أفرزت صعوبات جسيمة، تكاد تصل إلى القطيعة مع الجزائر، وعدم تنفيذ أوامر مغادرة التراب الفرنسي، وغيرها، وهي أمور يتعين على الحكومة، ولا سيما وزير الداخلية، تدبيرها. ويعكس هذا القرار تصورا متضخما للمجال المحفوظ، في حين أن نتائجه العملية تضعه ضمن «المجال المشترك».

وبالطريقة نفسها، أظهر رئيس الدولة تصورا احتكاريا لوظائفه في العلاقات الخارجية عندما استنكر مشروع القرار الذي تقدم به في ديسمبر 2023 الفريق البرلماني لحزب الجمهوريين، الداعي إلى إلغاء الاتفاق الفرنسي الجزائري الموقع في 27 ديسمبر 1968.

لائحة طويلة من الإخفاقات الدبلوماسية الفرنسية

كيف يتم هذا التركيز في السلطات داخل قصر الإليزيه في مجالي الدبلوماسية والدفاع؟

يتم ذلك عبر قنوات عدة:

الاختيار المتعمد لوزراء خارجية بلا وزن حقيقي. تدخل مستشارين في الإليزيه يمارسون نوعا من الوصاية التي تحاكي أولوية الرئاسة. إلغاء السلك الدبلوماسي في أبريل 2022 باسم «إصلاح الوظيفة العمومية العليا»، في مواجهة ما يسميه الرئيس «الدولة العميقة». وتُتهم هذه الدولة العميقة بالسعي إلى غايات خاصة وبالعمل وفق منطق ذاتي يتغلب، بفعل استمرارية الهياكل الإدارية، على إرادة رئيس الدولة. إن إلغاء السلك الدبلوماسي، كما هو حال إلغاء سلك الولاة، باسم الانفتاح والإصلاح، سيؤدي إلى نتيجتين مزدوجتين: فقدان «المتخصصين» أو على الأقل العارفين الجيدين بمناطق جغرافية أو بسياسات معينة، استراتيجية كانت أو أوروبية، وعلى الأرجح إلى شكل من تسييس الدبلوماسية والوظيفة العمومية العليا. فهل كان هذا هدفا مقصودا؟ يمكن الاعتقاد بذلك عندما نرى كيف يُعاقَب كبار الموظفين الذين يتخذون مواقف مستقلة، مثل الجنرال بيار دو فيلييه سنة 2017، أو السفير فارنو، مدير شؤون شمال إفريقيا والشرق الأوسط بوزارة الخارجية.

إن عملنا الدبلوماسي بات اليوم محتكرًا، وليس مجرد مجال محفوظ. ويا له من تناقض مع الممارسة الغولية، سواء في السياسة الأوروبية مع التنديد بالخطاب الغامض، أو في الخروج من حلف شمال الأطلسي، أو في السياسة النووية وغيرها.

من دون خبراء ومن دون توازنات مضادة، تصبح الدبلوماسية الفرنسية مجرد حركة مستمرة بلا نتائج تذكر، كما توضح ذلك سلسلة إخفاقاتنا:

تقلبات في الموقف من الشرق الأوسط، من «تحالف ضد حماس» إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية. إخفاقات في الساحل الإفريقي وفي إفريقيا عموما، قدمت على أنها «انسحاب طوعي»، مع تنظيم قمة إفريقيا فرنسا لأول مرة في بلد ناطق بالإنجليزية، هو كينيا. تغيرات مستمرة في الموقف من روسيا وأوكرانيا، بين «عدم إذلال بوتين» و«وضع روسيا على ركبتيها»، ثم «تحالف الراغبين»، في وقت يستدعي فيه دونالد ترامب القادة الأوروبيين إلى واشنطن. تذبذب المواقف بشأن اتفاق ميركوسور، مما فجر الأزمة الوطنية التي نعيشها اليوم. تناقضات، سميت «صياغات مكملة»، في التصريحات حول سقوط نيكولاس مادورو. تقلبات حادة في سياستنا تجاه الجزائر، حولت «الرهان الجزائري» للرئيس إلى «فخ». وأخيرا، رغم الخطابات عن «فرنسا القوية في أوروبا» خلال مؤتمر السفراء، يبقى هذا الواقع المؤلم: فرنسا، التي كانت في أصل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب ثم السوق المشتركة، باتت اليوم مضطرة للانصياع لمواقف إستونيا أو قبرص، المتحالفتين مع السيدة فون دير لاين، في حين أن هذه الأخيرة، التي فرضها الرئيس ماكرون في لعبة كراس موسيقية أتاحت تعيين السيدة لاغارد في البنك المركزي الأوروبي، تدافع، بدعم من المستشار الألماني والسيد فيبر، رئيس الكتلة البرلمانية لحزب الشعب الأوروبي، عن أوروبا تقاد من برلين.

نحن إذن عند منعطف في سياستنا الخارجية: فـ«المجال المحفوظ» لرئيس الجمهورية تحول إلى «مجال محتكر» من طرف قصر الإليزيه. وإذا كان العهد الرئاسي الأول لإيمانويل ماكرون قد بدأ على أمل تعزيز مكانة فرنسا، فإن العهد الثاني يشارف على نهايته وسط خيبة أمل لرؤية البلاد وقد ضعفت. والحقيقة أن دبلوماسية قوية لا يمكن أن تقوم إلا على اقتصاد قوي وعلى درجة عالية من التماسك الوطني. فبلد مثقل بالديون، بلا حكومة مستقرة، منقسم ويعاني من الجريمة، لا يمكنه أن يتوقع الاحترام في بروكسل أو في الأمم المتحدة أو في واشنطن أو في موسكو.

كزافييه دريانكور *
دبلوماسي فرنسي متقاعد