كشفت مصادر مطلعة على ما يجري داخل دوائر القرار في الجزائر عن توجّه جديد تعتمده السلطة الحاكمة، يقوم على توظيف ملف الاستعمار الفرنسي كورقة ضغط سياسية ومالية، عبر التلويح بالمطالبة بتعويضات مالية من فرنسا، ليس بدافع إنصاف الذاكرة التاريخية، بل في إطار حسابات آنية مرتبطة بصراعاتها مع الخارج ومع معارضيها في المنفى.

وبحسب هذه المصادر، فإن فكرة المطالبة بالتعويضات تبلورت عقب اجتماع إقليمي احتضنته الجزائر وضم دولا إفريقية سبق أن خضعت للاستعمار الفرنسي والبريطاني والإسباني. وقد حاولت السلطة الجزائرية استثمار هذا اللقاء لإعطاء الانطباع بوجود جبهة موحدة، رغم أن أغلب تلك الدول لم تُبدِ أي حماسة حقيقية للمسار الذي تسعى إليه الجزائر.

التعويضات كأداة ضغط سياسي

اللافت، وفق نفس المصادر، أن الخطاب الجزائري لا يتوقف عند المطالبة الرمزية أو القانونية بالتعويض عن الحقبة الاستعمارية، بل يتم ربط هذا الملف بشكل مباشر بملفات أمنية وسياسية حساسة، على رأسها مطالبة باريس بتسليم معارضين جزائريين مقيمين في فرنسا، منتمين إلى حركات مثل “الماك” و”رشاد”.

وتشير المعطيات إلى أن السلطة تحاول فرض معادلة غير معلنة مفادها: وقف الضغط الدبلوماسي مقابل تجميد المطالبات بالتعويضات. وهو ما يرقى، بحسب مراقبين، إلى ابتزاز سياسي صريح، يفرغ قضية الذاكرة من بعدها الأخلاقي والتاريخي، ويحوّلها إلى أداة مساومة.

تناقض الخطاب مع الواقع

يثير هذا التوجه تساؤلات جوهرية حول مصداقية السلطة في حديثها عن التعويضات. فكيف يمكن المطالبة بتعويض عن منشآت ومرافق أنجزتها فرنسا إبان الاستعمار، مثل المستشفيات والجامعات والبنى التحتية في العاصمة ومدن كبرى كعنابة ووهران والجزائر العاصمة، في حين تعجز الدولة، بعد أكثر من ستة عقود من الاستقلال، عن الحفاظ عليها أو ترميمها أو إنجاز بدائل حديثة لها؟

ويذهب منتقدو هذا الخطاب إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن السلطة التي تتحدث عن “النهب الاستعماري” هي نفسها التي سمحت بتدمير العمران، وإهمال الزراعة، وتفكيك منظومات إنتاج كانت الجزائر تصدّر من خلالها منتجاتها الفلاحية إلى الخارج في السنوات الأولى بعد الاستقلال.

ملف الفساد والتهريب في الواجهة

في مقابل هذا الخطاب التصعيدي تجاه فرنسا، يبرز صمت رسمي مطبق حيال ملفات ثقيلة تتعلق بتهريب الأموال والمخدرات. فحسب معطيات متداولة، لم تُحاسب أي شبكة كبرى رغم الكميات الضخمة من المخدرات التي دخلت البلاد خلال السنوات الماضية، كما لم تُفتح ملفات جدية حول الأموال المهربة إلى الخارج، بما في ذلك إلى فرنسا نفسها.

ويرى متابعون أن الحديث عن التعويضات يصبح فاقدا للمصداقية عندما يصدر عن سلطة متهمة بحماية شبكات فساد وتهريب، وبعجزها عن فرض العدالة داخل حدودها.

استغلال الذاكرة وإقصاء الشعب

الأخطر، وفق نفس التحليلات، هو توظيف ملف الاستعمار لمعاقبة الجزائريين أنفسهم، سواء عبر التضييق على المعارضين، أو التلويح بإجراءات تمس حقوق المواطنين، مثل جوازات السفر والوثائق القنصلية، في محاولة لإخضاع الأصوات المنتقدة في الخارج.

وفي هذا السياق، يبرز التناقض الصارخ بين الخطاب الرسمي الذي يدّعي الدفاع عن كرامة الشعب، والممارسات التي تُمعن في إقصائه وتهميشه، بينما يتمتع أصحاب النفوذ بامتيازات دبلوماسية وحركية لا تطال عامة الجزائريين.

ختاما، فإن إعادة فتح ملف الاستعمار لا يمكن أن تكون خطوة جادة ومشروعة إلا إذا جاءت في إطار رؤية وطنية صادقة، تستند إلى العدالة والشفافية، وتحترم تضحيات الشهداء دون توظيفها لأغراض الابتزاز السياسي أو تصفية الحسابات.

أما تحويل الذاكرة الجماعية إلى ورقة ضغط ظرفية، فلن يخدم لا قضية التاريخ ولا مصالح الشعب الجزائري، بل يكرّس أزمة ثقة عميقة بين السلطة والمجتمع، ويكشف مرة أخرى هشاشة الخطاب الرسمي أمام واقع سياسي واقتصادي مأزوم.