أثار تصرف المنتخب الجزائري، خلال مشاركته في بطولة كأس أمم إفريقيا المقامة في المغرب، موجة واسعة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، بعد تداول خبر استدعاء إمام لأداء صلاة الجمعة داخل مقر إقامة الفريق، بدل التوجه إلى أحد مساجد مدينة الرباط. خطوة اعتبرها كثيرون مبالغة غير مبررة، وفتحت نقاشا حادا حول معنى التدين الحقيقي، والحد الفاصل بين العبادة الصادقة والاستعراض الرمزي.
الانتقادات لم تكن موجّهة إلى الصلاة في حد ذاتها، ولا إلى الشعائر الدينية، بل إلى طريقة التعامل معها. فصلاة الجمعة، في بعدها الديني والرمزي، تقوم على الخروج من العزلة، والالتحاق بالجماعة، والاندماج مع الناس دون تمييز أو امتياز. وهو ما جعل كثيرا من المتابعين يتساءلون: لماذا اختار المنتخب الجزائري أن تُنقل إليه الصلاة، وهو يوجد في عاصمة تعج بالمساجد، وتتوفر فيها كل شروط الأمن والتنظيم؟
ما زاد من حدة الجدل أن منتخبات وأندية أخرى مشاركة في البطولة، تضم لاعبين مسلمين، توجهت بشكل عادي وطبيعي إلى المساجد لأداء صلاة الجمعة رفقة عموم المصلين، دون أي ترتيبات استثنائية أو مظاهر خاصة. هذه الفرق اختارت الاندماج في الفضاء الديني العام، وأدت الشعيرة كما يؤديها المواطنون العاديون، في صورة لقيت احتراما واسعا. في المقابل، بدا المنتخب الجزائري الفريق المسلم الوحيد الذي لم يتجه إلى المسجد، مفضلا استقدام الإمام إلى مقر الإقامة، وهو ما عمّق الإحساس بوجود تصرف فوقي غير مبرر، وأشعل النقاش حول خلفيات هذا القرار ودلالاته.
منتقدو الخطوة اعتبروا أن هذا السلوك يعكس نوعا من التعالي الرمزي، وكأن اللاعبين كائنات استثنائية لا يمكنها الصلاة مع الناس. وهو تصور يتناقض جذريا مع جوهر العبادة، التي تقوم على التواضع ونفي الفوارق الاجتماعية. فالرياضي، مهما بلغت شهرته، يظل إنسانا عاديا أمام خالقه، ولا يفترض أن تُفصّل له الشعائر الدينية وفق منطق “الخدمة الخاصة”.
الجدل اكتسب بعدا أوسع عند ربطه بسياق البطولة نفسها. فالمغرب، الذي تعرض قبل انطلاق المنافسة لحملات تشويه وسخرية، أبان ميدانيا عن قدرة تنظيمية واضحة، ووفّر للمنتخبات المشاركة ظروفا مريحة من حيث الإقامة، الأمن، والتنقل. وفي هذا الإطار، بدا استدعاء إمام إلى الفندق تصرفا منفصلا عن الواقع، لا يخدم صورة المنتخب، ولا ينسجم مع منطق الاحترام المتبادل بين الضيف والبلد المضيف.
وتساءل كثيرون عن الدوافع الحقيقية وراء هذا القرار: هل هي أسباب أمنية، رغم توفر الحراسة والتنظيم؟ أم محاولة لإرسال رسالة دعائية عن “التدين”؟ أم مجرد قرار مرتجل يفتقر إلى الحس الرمزي والذكاء الاتصالي؟ أيا كانت الخلفية، فإن النتيجة واحدة: تصرف أثار السخرية أكثر مما أثار الاحترام.
الرياضة الحديثة لم تعد تقيَّم فقط بما يحدث داخل الملعب، بل أيضا بالسلوك العام، وبطريقة تمثيل الفرق لبلدانها خارج المستطيل الأخضر. فالتواضع، والبساطة، والقدرة على الاندماج مع الناس، عناصر أساسية في بناء صورة إيجابية لأي منتخب. ومثل هذه التصرفات، حتى إن حسنت النيات، قد تتحول إلى عبء أخلاقي وإعلامي عندما تُقرأ باعتبارها انفصالا عن الواقع وتعاليا على الجماهير.
ورغم كل هذا الجدل، يؤكد كثير من المشجعين أنهم ما زالوا يدعمون المنتخب الجزائري ويتمنون له النجاح. غير أن الرسالة التي خرجت من هذه الواقعة واضحة: المنتخبات الكبرى لا تُقاس فقط بالنتائج، بل أيضا بالسلوك، وبالقدرة على تمثيل قيم شعبها دون مبالغة أو استعراض. فقضية “إمام الديليفري” قد تمر عابرة في سجل البطولة، لكنها كشفت خللا أعمق في فهم الرمزية والسياق، وأثبتت أن التفاصيل الصغيرة قد تصنع جدلا كبيرا عندما تمس جوهر القيم المشتركة.
هيئة التحرير / LEMED24



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..