منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، دخلت العلاقات عبر الأطلسي مرحلة غير مسبوقة من الاضطراب، بعدما وجد الأوروبيون أنفسهم أمام رئيس أميركي يتعامل معهم ببرود سياسي ويشكك علنا في ثوابت التحالف الذي شكّل لعقود ركيزة أمن القارة. ما كان يُنظر إليه سابقا كضمانة أميركية لأمن أوروبا، بات اليوم مصدرا مباشرا للقلق، بل تهديدا محتملا لتوازناتها الإستراتيجية.

خلال عام واحد فقط من ولايته الجديدة، قلب ترامب موازين القوى بين ضفتي الأطلسي عبر سلسلة قرارات ومواقف صادمة، كان آخرها إعلانه الصريح عزمه الاستحواذ على جزيرة غرينلاند، التابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي. هذا التوجه لم يكن معزولا عن سياق عام من الضغوط السياسية والاقتصادية التي طالت العواصم الأوروبية الكبرى.

وتلخص مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي كايا كالاس حالة الذهول السائدة بقولها إن الأوروبيين يستيقظون كل يوم وهم يتساءلون عما إذا كان ما يرونه حقيقيا أم مجرد مفاجأة جديدة في مسار العلاقة مع واشنطن. أمام هذا الواقع، اختارت غالبية القادة الأوروبيين سياسة امتصاص الصدمات، باستثناء ملف التكنولوجيا، حيث فرض الاتحاد الأوروبي غرامات ثقيلة على شركات أميركية كبرى، ما دفع البيت الأبيض إلى اتهام بروكسل بمهاجمة المصالح الأميركية.

العام المنصرم كان حافلا بالإهانات السياسية من وجهة نظر أوروبية، بدءا من الانتقادات اللاذعة التي أطلقها نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس من منصة مؤتمر ميونيخ للأمن، مرورا بالاستقبال المثير للجدل الذي خص به ترامب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، وصولا إلى إستراتيجية الأمن القومي الأميركية التي حذرت من احتمال تراجع الحضارة الأوروبية. يضاف إلى ذلك الرسوم التجارية التي فرضتها واشنطن، والتي عمّقت الشروخ الاقتصادية بين الطرفين.

رغم ذلك، يبرر القادة الأوروبيون صبرهم برغبتهم في منع قطيعة كاملة مع الولايات المتحدة. ويسجلون بعض النجاحات المحدودة، مثل الحفاظ على دور أوروبي في ملف أوكرانيا عبر تحالف الدول الداعمة لكييف، إضافة إلى زيارات متكررة لقادة أوروبيين إلى البيت الأبيض، في محاولة لإبقاء قنوات الحوار مفتوحة.

غير أن القلق يتصاعد مع بقاء ترامب في السلطة لثلاث سنوات إضافية. رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن لا تخفي مخاوفها، معتبرة أن الأسوأ قد يكون قادما، خصوصا في ظل الإصرار الأميركي على ملف غرينلاند. إلى حد أن مكتبها أنشأ فريقا خاصا لمتابعة حساب ترامب على منصة تروث سوشال على مدار الساعة، تحسبا لأي إعلان مفاجئ.

يبقى السؤال المركزي مطروحا في العواصم الأوروبية: متى يمكن القول إن ترامب تجاوز الخط الأحمر؟ هل عند محاولة فرض سيطرة على أراض أوروبية؟ أم عند السعي لفرض قواعده على الاقتصاد الرقمي؟ أم عند التدخل المباشر في الانتخابات الأوروبية المقبلة؟ والأهم من ذلك، كيف يمكن الرد؟

الخيارات المطروحة تتراوح بين تعليق الاتفاقات التجارية وفرض عقوبات إضافية على شركات التكنولوجيا الأميركية. كما يُعاد طرح أداة مكافحة الإكراه التي أقرها الاتحاد الأوروبي عام 2023، وهي آلية تجارية صارمة تشبه ما يسميه بعض المسؤولين البازوكا، لكنها لم تُستخدم حتى الآن بسبب التخوف من تداعياتها على الشراكة مع واشنطن.

وتؤكد الباحثة في مركز جرمان مارشال فاند تارا فارما أن أوروبا تملك أوراق ضغط حقيقية، لكنها اختارت حتى الآن عدم استخدامها، سواء بدافع الحذر أو نتيجة الانقسام الداخلي. غير أن استمرار هذا النهج قد يجعل القارة تدفع ثمنا أعلى إذا ما قرر ترامب المضي أبعد في إعادة رسم العلاقة عبر الأطلسي وفق منطق القوة وحدها.

هيئة التحرير / LEMED24