بقلم: رشيد الياقوتي

بعيدا عن مدرجات ملاعب “الكان” حيث تُحسم النتائج بصفارة الحكم وتفاصيل الوقت بدل الضائع، تُدار اليوم مباراة أخرى أقل ضجيجا وأكثر تعقيدا. مباراة تُلعب في كواليس التشريع والتنظيم، بلا جمهور حقيقي ولا تقنية “ڤار”، لكنها لا تقل تأثيرا على مستقبل قطاع حيوي. هذه المباراة تُدار في “ملعب” وزير الشباب والثقافة والاتصال، محمد مهدي بنسعيد، حيث لا تُمرر الكرات بالأقدام بل تُصاغ القواعد بالمراسيم والنصوص.

في هذا الفضاء، يظهر الوزير جامعا بين أدوار متداخلة. فهو الحكم الذي يفسر القانون، واللاعب الذي يرسم خطة اللعب، وصاحب القرار الذي يحدد توقيت الأشواط. أما الصحافة، فتجلس على دكة الانتظار، تراقب المشهد وتنتظر فرصة نزول قد لا تأتي إلا في الوقت بدل الضائع، إن أتت. منذ صافرة البداية، يبدو ميزان القوة مختلا، وتبدو الأسئلة أكثر من الإجابات.

منذ الإعلان عن مشروع إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، يتابع المهنيون النقاش بقلق متزايد. صحيح أن القطاع يعاني أعطابا بنيوية، من فوضى الانتساب إلى المهنة، إلى هشاشة النموذج الاقتصادي للمقاولات الإعلامية، وصولا إلى تراجع الثقة المجتمعية. غير أن الإشكال لم يعد تقنيا أو قانونيا فقط، بل صار سؤالا ثقافيا يتعلق بكيفية تدبير الإصلاح ومنطق التحكم الذي يطبع مقاربته.

الدولة، حين تتحدث عن التنظيم، تنطلق من دوافع مفهومة. لكن ما يثير القلق أن هذا التشخيص ينتهي إلى تراكم أدوات الضبط أكثر مما يفتح أفقا لإصلاح تشاركي. النصوص المقترحة والنقاشات الرسمية توحي بأن الحرية تُعامل كعبء ينبغي تطويقه، لا كقيمة مركزية يجب تحصينها وتأطيرها. هنا يتحول الإصلاح من فرصة لبناء الثقة إلى مسار يكرس الريبة.

يتجلى هذا المنحى في إعادة تعريف دور المجلس الوطني للصحافة. فبدل أن يظل إطارا للتنظيم الذاتي، يعكس نضج المهنة وقدرتها على تدبير أخلاقياتها، يُدفع به نحو هيئة ذات صلاحيات تقريرية وتأديبية واسعة، توزع الشرعية وتحدد حدود الانتماء والإقصاء. هذا التحول يطرح سؤالا جوهريا حول طبيعة العلاقة بين الدولة والصحافة، وهل نحن أمام تحكيم أخلاقي أم جهاز ضبط بواجهة تنظيم ذاتي.

ويزداد الجدل مع الدفاع عن نظام الانتداب على حساب الانتخاب، حيث تُختزل “الحكمة” في الخبرة الاقتصادية والقدرة التدبيرية، وتُسحب ضمنيا من الصحافيين الميدانيين. وفق هذا المنطق، يُطلب من الصحافي أن يؤدي دوره التنفيذي فقط، دون الاعتراف بنضجه المهني أو بحقه في المساهمة في صناعة القرار داخل مؤسساته التمثيلية. هكذا يُعاد تعريف الرصانة بمنطق الوزن المالي، لا بالكفاءة المهنية والتجربة التحريرية.

أما التمثيلية، فتفقد معناها حين تُصاغ من أعلى وفق توازنات محسوبة، بدل أن تنبثق من القاعدة بتنوعها الجغرافي والمهني والرقمي. تنظيم ذاتي بلا تعددية حقيقية يتحول إلى هيكل شكلي، عاجز عن إنتاج نقاش حر ومستقل. ويزداد القلق مع تدبير المرحلة الانتقالية، حيث يُعلّق منطق الانتخابات بدعوى الاستعجال، وتُسند الصلاحيات إلى لجان مؤقتة واسعة النفوذ، ما يرسخ ثقافة الاستثناء وقابلية القواعد للتعليق.

الأخطر أن هذا المسار، وإن قُدّم بلغة التحديث، يفضي إلى نتائج عكسية. صحافي يُدار بمنطق الشك يميل إلى الرقابة الذاتية بدل المبادرة، وتتحول المسؤولية الأخلاقية إلى إجراء فارغ. إصلاح الصحافة لا ينجح بالضبط المفرط، بل بالشراكة والثقة. فالصحافة مجال للحرية قبل أن تكون قطاعا إداريا، وأي هندسة قانونية تعيد إنتاج الوصاية، مهما تغيرت تسمياتها، تُقوض جوهر الإصلاح.