لم تعد الأسئلة المتعلقة بطبيعة العلاقة بين تونس والجزائر مجرد نقاشات نخبوية عابرة، بل تحولت في الآونة الأخيرة إلى قضية رأي عام تثير القلق والجدل داخل الأوساط السياسية والحقوقية التونسية. فمع تواتر حوادث حدودية مثيرة للجدل، وتزايد الحديث عن اتفاقيات أمنية غير معلنة، باتت المخاوف تتصاعد من تحول التعاون الأمني بين البلدين إلى شكل من أشكال الوصاية أو التمدد الجزائري داخل العمق التونسي، على حساب السيادة الوطنية واستقلال القرار.
أحدث هذه الوقائع تمثل في ما تداولته وسائل إعلام محلية وشهادات ميدانية من معتمدية أم العرايس بولاية قفصة، حيث تحدث مواطنون تونسيون عن توغل عناصر من الجيش الجزائري داخل التراب التونسي، ومصادرتهم قطيعا من الأغنام يعود لأحد الرعاة، مع تعريضه لإهانات واعتداءات جسدية. هذه الحادثة، التي لم يصدر بشأنها توضيح رسمي تونسي حاسم، فجرت موجة غضب عارمة على مواقع التواصل الاجتماعي، واعتبرها كثيرون مسا خطيرا بالحوزة الترابية للبلاد.
ولم تكن هذه الواقعة معزولة أو استثنائية. فقد سبقتها شكاية تقدمت بها مواطنة تونسية من منطقة حيدرة الحدودية، أكدت فيها مصادرة قطيعها المكون من أكثر من مئة رأس غنم من طرف عناصر أمنية جزائرية داخل الأراضي التونسية، مطالبة بتدخل وزارة الخارجية لاسترجاع ممتلكاتها. تكرار مثل هذه الحوادث أعاد إلى الواجهة تساؤلات محرجة حول حقيقة ما يجري على الحدود، وحول ما إذا كانت هناك تعليمات أو تفاهمات غير معلنة تسمح بتجاوز الخطوط الفاصلة بين سيادة دولتين مستقلتين.
في خضم هذا الجدل، عاد الحديث بقوة عن اتفاقيات أمنية بين تونس والجزائر، يقال إنها تتيح تدخلا جزائريا داخل العمق التونسي تحت ذريعة مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود. ورغم أن التعاون الأمني بين البلدين ليس جديدا، إلا أن ما يثير القلق اليوم هو غياب الشفافية، وغياب أي نقاش برلماني أو وطني علني حول حدود هذا التعاون وشروطه، في سياق إقليمي يتسم بالحساسية وعدم الاستقرار.
الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون سارع إلى نفي هذه الاتهامات، مؤكدا أن الجيش الجزائري لم يطأ الأراضي التونسية، وأن أمن البلدين مترابط ومشترك، معتبرا أن الحديث عن تدخل جزائري هو محاولة لزرع الفتنة بين الشعبين. غير أن هذه التصريحات تصطدم، في نظر منتقديه، بالوقائع الميدانية والشهادات المتكررة، ما يجعل النفي الرسمي غير كاف لتهدئة المخاوف المتصاعدة.
في المقابل، يرى معارضون وحقوقيون تونسيون أن تنامي النفوذ الجزائري في تونس أصبح أمرا ملموسا، خاصة في ظل هشاشة الوضع الاقتصادي والسياسي الداخلي. ويذهب بعضهم إلى اعتبار أن السلطة في تونس، بقيادة قيس سعيد، باتت تعتمد بشكل متزايد على المقاربة الأمنية والدعم الخارجي، بدل فتح حوار وطني شامل يعالج جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية. إعلان حالة الطوارئ في كامل البلاد خلال يناير 2026 اعتبره هؤلاء دليلا إضافيا على تغليب الحل الأمني، ولو كان ذلك على حساب السيادة الوطنية.
إن ما يجري اليوم على الحدود التونسية الجزائرية لا يمكن اختزاله في حوادث معزولة أو سوء تفاهم عابر. إنه مؤشر على اختلال مقلق في ميزان العلاقة بين بلدين يفترض أن تحكمهما الندية والاحترام المتبادل. فالتعاون الأمني، مهما بلغت ضرورته، لا يمكن أن يكون مبررا لتجاوز السيادة أو فرض الأمر الواقع بالقوة. وأمام صمت رسمي تونسي يثير أكثر مما يبدد الشكوك، تبقى الأسئلة مفتوحة حول النوايا الحقيقية لقصر المرادية، وحول الثمن الذي قد تدفعه تونس إذا استمر هذا التمدد الصامت دون مساءلة أو محاسبة.
هيئة التحرير / LEMED24



تعليقات
0لا يوجد تعليقات بعد..